Sunday, September 13, 2015

غيرية المقدس والمدنس

كتاب الله

    

       وسط جو ضبابي، يبدأ بحثه عن الطعام، قطة منحولة الشعر ربما تفي بالغرض، انها الكائن الوحيد الباقي على قيد الحياة من حوله الآن. ظل إيلي "دانِزل واشنطون" ساكنا عن الحركة فترة من الزمن، وفي لحظة بحركة خاطفة كان يبتسم لحصوله على وجبة عشاء دسمة.
حرب طاحنة دمرت العالم، لم يُعلن في أي مكان يتم الحدث، فالعالم كله اصبح يحمل نفس السمات، استمر حيا مجموعة من الناس زالت عنهم صفة الإنسانية، يأكلون لحم ويشربون دماء أي كائن يجدونه، والسلاح هو لغة التخاطب التي يفهمها الجميع مهما اختلفت لغاتهم، استبد بهم الجهل ولم يستطعوا القراءة أو الكتابة، إيلي في رحلات تجواله بين البلدان يقابل العديد من قطاع الطرق وسارقي المسافرين، والذين إلى جوار ذلك يبحثون عن كتاب معين، كتاب الله، ولكن إيلي لم يعرف ان بعضهم على وعي بمحتوى وشكل الكتاب الذي يبحثون عنه.
رئيس أحد المدن المحطمة "جراي آولدمان" جنـَّد العديد من المجرمين للحصول على كتاب الله. له منهج في الحياة سينفذه من خلاله. ان كان الناس لا يؤمنون بوجود الله فلا حرج من إيمانهم بالدين، انه ما يعطيهم الرجاء من خلال الإيمان، يعطيهم آمل الانتظار، يعلم انه أحد الأشخاص الباقيين على قيد الحياة الذين يعرفون القراءة والكتابة، لذلك عليه الحصول على الكتاب قبلهم. وسيتم ذلك مهما كلف الأمر. زوجته الكفيفة تستمر في التوسل له ان يعفي الخادمة الصغيرة من مهمة تعقب إيلي ولكن بلا جدوى.
تتعاقب الأحداث بإيقاع سريع مليئ بالدماء، في صراعات بين المجرمون وإيلي للحصول على الكتاب، تتخللها بعض اللقطات العاطفية الهادئة بين الفتاة خادمة زوجة رئيس البلدة التي هربت مع إيلي، والذي يمثل الخلاص لها كما لغيرها من أهل البلدة، ولكن ربما الكتاب هو سر اهميته وليس هو.


 ينتهي الفيلم بصراع بين رئيس البلدة وإيلي، يترك اثناءه كلاهما العديد من الجروح القاتلة على جسد الآخر، ولكن إلى جوار الجروح المميتة فاز رئيس البلدة بالكتاب أيضا، وبعد المزيد من الطقوس والاحتفالات يفتح الكتاب ليجده مكتوب بطريقة "برايل" الخاصة بالمكفوفين، آخر كتاب يحمل كلمة الله ولا يستطيع أحد قراءته، سوى زوجته التي رفضت القيام بهذه المهمة، وإيلي يصل مع الخادمة لأحد المكتبات الضخمة بأحد المدن ويمليهم الكتاب الذي كان قد حفظه من تكرار قراءته.
ورغم امتلاء الفيلم بالعديد من التيمات المستهلكة في السينما العالمية بل والمحلية، فلم يعدم حس المعارك الدموية، والقبلة العاطفية التي تستلزم بالضرورة قصة حب بين البطل وفتاة يزج بها لإكمال الحدث، إلى جوار العديد من تكرار مشاهد الصحاري والوديان الفارغة تأكيدا لفكرة الخواء الفكري والحيوي من العالم، إلا ان فكرة الفيلم تم بلورتها بشكل مميز، كتاب الله، اختار المخرج الشخصيات معبرين بالشكل اكثر من الكلام. الحلول الفردية والأحاديث الثنائية محور الفيلم، تكثيف الحديث والاعتماد على الصورة.  
إيلي الأمل المنقذ الذي ينتظره الجميع لياتي بالنبوة والكتاب المختار ولكنه يخيب الآمال فيحضر بكتاب لا يفهمه أحد إلاه. رئيس البلدة الطمع والرغبة في الملكية والسيطرة بأي طريقة متاحة. الزوجة الكفيفة ترى بقلبها ما لم يره الآخرون تعرف ان إيلي هو المفر للخادمة وان كانت تخشى عليها الضرر من تبعيتها له. الخادمة براءتها وقلة كلامها اعطوها ميزة الصدق والتعاطف معها. باقي الشخصيات من قطاع الطرق والمجرمون لم يأثروا بسير الأحداث إلا من حيث تأكيد الصراع.
والسؤال هو:في عالم انعدمت فيه الثقة والأمان هل يتم استعادتهما بالكلام حتى وان لم يكن له مردود واقعي؟.


No comments:

Post a Comment