Sunday, September 13, 2015

غيرية المقدس والمدنس

كتاب الله

    

       وسط جو ضبابي، يبدأ بحثه عن الطعام، قطة منحولة الشعر ربما تفي بالغرض، انها الكائن الوحيد الباقي على قيد الحياة من حوله الآن. ظل إيلي "دانِزل واشنطون" ساكنا عن الحركة فترة من الزمن، وفي لحظة بحركة خاطفة كان يبتسم لحصوله على وجبة عشاء دسمة.
حرب طاحنة دمرت العالم، لم يُعلن في أي مكان يتم الحدث، فالعالم كله اصبح يحمل نفس السمات، استمر حيا مجموعة من الناس زالت عنهم صفة الإنسانية، يأكلون لحم ويشربون دماء أي كائن يجدونه، والسلاح هو لغة التخاطب التي يفهمها الجميع مهما اختلفت لغاتهم، استبد بهم الجهل ولم يستطعوا القراءة أو الكتابة، إيلي في رحلات تجواله بين البلدان يقابل العديد من قطاع الطرق وسارقي المسافرين، والذين إلى جوار ذلك يبحثون عن كتاب معين، كتاب الله، ولكن إيلي لم يعرف ان بعضهم على وعي بمحتوى وشكل الكتاب الذي يبحثون عنه.
رئيس أحد المدن المحطمة "جراي آولدمان" جنـَّد العديد من المجرمين للحصول على كتاب الله. له منهج في الحياة سينفذه من خلاله. ان كان الناس لا يؤمنون بوجود الله فلا حرج من إيمانهم بالدين، انه ما يعطيهم الرجاء من خلال الإيمان، يعطيهم آمل الانتظار، يعلم انه أحد الأشخاص الباقيين على قيد الحياة الذين يعرفون القراءة والكتابة، لذلك عليه الحصول على الكتاب قبلهم. وسيتم ذلك مهما كلف الأمر. زوجته الكفيفة تستمر في التوسل له ان يعفي الخادمة الصغيرة من مهمة تعقب إيلي ولكن بلا جدوى.
تتعاقب الأحداث بإيقاع سريع مليئ بالدماء، في صراعات بين المجرمون وإيلي للحصول على الكتاب، تتخللها بعض اللقطات العاطفية الهادئة بين الفتاة خادمة زوجة رئيس البلدة التي هربت مع إيلي، والذي يمثل الخلاص لها كما لغيرها من أهل البلدة، ولكن ربما الكتاب هو سر اهميته وليس هو.


 ينتهي الفيلم بصراع بين رئيس البلدة وإيلي، يترك اثناءه كلاهما العديد من الجروح القاتلة على جسد الآخر، ولكن إلى جوار الجروح المميتة فاز رئيس البلدة بالكتاب أيضا، وبعد المزيد من الطقوس والاحتفالات يفتح الكتاب ليجده مكتوب بطريقة "برايل" الخاصة بالمكفوفين، آخر كتاب يحمل كلمة الله ولا يستطيع أحد قراءته، سوى زوجته التي رفضت القيام بهذه المهمة، وإيلي يصل مع الخادمة لأحد المكتبات الضخمة بأحد المدن ويمليهم الكتاب الذي كان قد حفظه من تكرار قراءته.
ورغم امتلاء الفيلم بالعديد من التيمات المستهلكة في السينما العالمية بل والمحلية، فلم يعدم حس المعارك الدموية، والقبلة العاطفية التي تستلزم بالضرورة قصة حب بين البطل وفتاة يزج بها لإكمال الحدث، إلى جوار العديد من تكرار مشاهد الصحاري والوديان الفارغة تأكيدا لفكرة الخواء الفكري والحيوي من العالم، إلا ان فكرة الفيلم تم بلورتها بشكل مميز، كتاب الله، اختار المخرج الشخصيات معبرين بالشكل اكثر من الكلام. الحلول الفردية والأحاديث الثنائية محور الفيلم، تكثيف الحديث والاعتماد على الصورة.  
إيلي الأمل المنقذ الذي ينتظره الجميع لياتي بالنبوة والكتاب المختار ولكنه يخيب الآمال فيحضر بكتاب لا يفهمه أحد إلاه. رئيس البلدة الطمع والرغبة في الملكية والسيطرة بأي طريقة متاحة. الزوجة الكفيفة ترى بقلبها ما لم يره الآخرون تعرف ان إيلي هو المفر للخادمة وان كانت تخشى عليها الضرر من تبعيتها له. الخادمة براءتها وقلة كلامها اعطوها ميزة الصدق والتعاطف معها. باقي الشخصيات من قطاع الطرق والمجرمون لم يأثروا بسير الأحداث إلا من حيث تأكيد الصراع.
والسؤال هو:في عالم انعدمت فيه الثقة والأمان هل يتم استعادتهما بالكلام حتى وان لم يكن له مردود واقعي؟.


مفايتح الدخول إلى الفيلم الرعب

 كيف تُشاهد فيلم رعب!؟


     تتشابه الكثير من الأفكار، واللقطات، والمؤثرات، والأحداث بين أفلام الرعب، قديمًا وحديثًا، أيً كانت جنسيتها، أو مخرجها، أو حتى الشركة المنتجة لها. فتشعر في اللا وعي أن هناك إمتداد لنفس الفيلم، بل تتوّقع ما سيحدث بعد رؤيتك للقطة معينة، رغم أنها المشاهدة الأولى لك لهذا الفيلم أو ذاك، وإليكم بعض النقاط عمّا أتحدث عنه:


المكان:

يكون في منزل مهجور بمكان منعزل نهاية الطريق، يفضل لو يحتوي على بدرون سفلي أو طابق علوي أو كلاهما / مستشفى للأمراض العقلية / سجن لعتاة المجرمين/ مركز للأبحاث السريّة الغير مصرح بها / غابة متداخلة الأشجار / منطقة جبلية نائية / كوكب أو جزيرة مكتشفة حديثًا. يتم الحدث في أحد هذه الأماكن وإلا لن يجد الإقبال المطلوب من الجمهور المتشوق للإثارة.


الزمان:

جو أسطوري لأزمنة غابرة وحضارات ضاربة في القدم، الأيام المعاصرة وستحتاج حبكة أكثر، المستقبل وما ينتظرنا فيه من عالم مجهول نجمله أو نشوهه، تداخل الأزمة والسفر عبرها.



محور الشر:

هجوم متحولون؛ كمصاصي الدماء، مستذئبون، وحوش فضائية (Aliens- predeator)، جماعات موبوءة، زومبي، شخص مختل نفسيًا أو عقليًا ينتقم لسبب ما ويستحسن أن يكون ذو ملامح عربيّة حتى نبرر الحرب المقدسة على الإرهاب فيما بعد، هجوم حيوانات، حشرات، طيور، فيروس أو سلاح مميت أخترعه عالم مهووس يسعى لتدمير العالم.

المؤثرات والثوابت:
  هناك مؤثرات ولزوميّات أساسية ثابتة تشكِّل أعمدة الفيلم الرعب؛ كحركة الستائر والشبابيك والأبواب بما يحدث جلبة وصوت حاد مرتفع، هذا إلى جوار البرق والرعد والعواصف والأعاصير والأمطار وصوت الذئاب طبعًا، سماع وقع أقدام ثقيلة بطيئة في البدرون أو الدور العلوي من المنزل، ضعف الإضاءة وترددها أو انقطاعها المفاجئ، عدم وجود شبكة للهاتف في أي مكان، إنغلاق الباب بمجرد مرور الشخص منه وصعوبة فتحه مجددًا، أي مفتاح لا يعمل في مكانه، في الحمام على الحوض حينما تنحني لغسل يديك وحينما ترفع رأسك تجد إنعكاس الوحش في المرآة، وجود إمرأة عارية ذات صدر مميّز في البانيو وغالبًا يتم قتلها، سحب أحد الأشخاص من ساقيه وبينما يتشبّث بالأرض بأطراف أصابعه وأظافره فيصدر صوت حاد، الإختباء في الدولاب أو تحت السرير، يجب إدخال جانب غيبي في الفيلم كوجود رمز سحري أو ديني أو عبارات غامضة غير مفهومة تكون هي المسؤولة عن الإتيان بالوحوش أو صرفهم أو إضعاف قوتهم.


شخصيات الفيلم:

البطل الأول، غالبًا هو شخص إنطوائي، متجاهل للواقع وما يحدث فيه، لا تظهر عليه آمارات القوة أو الشجاعة، ورغم ذلك يجيد إستخدام برامج الكمبيوتر جميعًا حتى أنه لا يتردد في إختراق أي كلمة سر تواجهه، كذلك يستطيع قيادة كل شيء أمامه من الدراجة وحتى الطائرة الحربية، خبير بفنون القتال، يحتاج أكثر من خمس طلقات حتى يتم إبطاء تحركه وسرعته وليس قتله طبعًا، تقع الفتيات في حبه بلا مبرر.

البطل الثاني: يفضل أن يكون زنجي، صيني، ألماني، روسي، حتى لا يُتهم الفيلم بالعنصرية، هو شخص محب للدماء إنتحاري، ويموت قرب نهاية الفيلم وهو يساعد البطل الأول، أو عندما يحاول إنقاذه.

مساعدون: يفضل وجود شخص مُسن، أو قعيد، أو إمرأة حامل، أو طفل صغير أو كلهم مجتمعين؛ من أجل كسب تعاطف المشاهد وتحميسه للحدث، وزيادة حدة المطاردات، حتى أن أحدهم سيُعطـِّل عملية الهروب في النهاية فيرجع البطل لإنقاذه، ولكن بعد فوات الآوان.

النهاية

تأتي النهاية مختلفة بإختلاف محور الشر في الفيلم، قد تكون بالهروب من الجزيرة أو الغابة أو القرية بعد خسارة عدد لا بأس به من أرواح الطرفين، وقد تكون بتحول الجميع إلى نفس نوع الوحش المُهاجم، وربما بعد التخلص من كل الوحوش وقبل ظهور بيانات نهاية الفيلم، تأتي حركة ما بأحد أركان الشاشة لتعلن أن الشر لم ينته وهناك جزء آخر من الفيلم.


مثليون حول سبارتاكوس

مثليون حول سبارتاكوس


ربما سر شهرة مسلسل سبارتاكوس، والضجة المُثارة عليه وحوله، تكمن في نظرته الإنسانيّة للعلاقات المثليّة بين النساء وبين الرجال، وبيان أنها سلوك طبيعي، وليس "شذوذ" عن فطرة، أو تصرف يستحق إستهجان المجتمع!!، فليس من المعقول  أن يُضطهد إنسان ويتم قتله لأنه إختار الطريقة التي يوّد إستكمال حياته من خلالها.
وفي الحلقة الأخيرة من المسلسل، في الجزء الثالث، تظهر المُفاجأة الغير متوقعة، إذ أنه من بين كل العبيد الراغبين في التحرر والحريّة من جيش سبارتاكوس، لم يبق منهم على قيد الحياة، سوى العاشقيّن المثلييّن "آجرون ونُصير"، وكأن مُخرج المسلسل يبعث لنا رسالة واضحة، مفادها أن العلاقات المثليّة سيكتب لها البقاء والإستمرار، وسينال المثليون حريتهم، مهما تمت محاربتهم ومطاردتهم.
   طوال أحداث المسلسل، لم تنس أي حلقة، بيان وجود المثليين داخل المجتمع الروماني/اليوناني، كشريحة أساسيّة لا يمكن تجاهلها، بل ووسط الشعوب الأخرى؛ كالغال والغجر الرّحالة وغيرهما. وتتجلى عبقريّة المخرج أيضًا، في بيان أن المثليين، لم يكن لهم تجمعاتهم الخاصة، أو مناطقهم السكنيّة المقصيّة، أو زيّ موحد أو شكل خارجي يَعرفون بعضهم به، بل هم بشر أسوياء، كغيرهم، ممارساتهم الجنسيّة الخاصة لا يخفونها، وكذلك لا يُباهون بها. وتم تقديم حياتهم في صورة واضحة، أنهم رجال ونساء يتمتعون بإمتيازات المواطنة الكاملة. يُسمح لهم، كحق إنساني طبيعي، بالعمل في التجارة، والمشاركة في الخدمة الوطنيّة داخل جيوش بلادهم، والتعبير عن أنفسهم، بالكتابة والرسم وباقي الفنون، دون حرج، في أي وقت ومكان. وهناك على ذلك مثال "أكاديميّة أفلاطون" التي كانت ترحب بالمثليين، للممارسة الجنسيّة الحرّة، والتفاعل الفكري الفلسفي بين الرجال.
كذلك رأينا في المسلسل، العلاقة المثليّة النسويّة بين "لوكريشيا وإليثيا"، وكلتاهما متزوجة أيضًا، والمدهش أن زوجيهما يعرف كل واحد منهما، أن زوجته على علاقة جنسيّة بصديقتها، ولم يبدِ أي منهما إعتراض، بل إعتبرا ذلك نوعًا من رفاهيّة المرأة وسعادتها الخاصة، حيث أن المرأة هي الأقدر والأعرف بمناطق سعادة نظيرتها بنت جنسها. لكن المشكلة ظهرت بين الإمرأتيّن، حينما حبلت "إليثيا"، وإكتشفت "لوكريشيا" إنها عاقر، مما سينمع لقاءات اللذة بينهما، ويُحول الشوق إلى حقد وكراهيّة، فإعتبرت العاقر ذلك الحمل نقض لعهد الحب، وخيانة مباشرة لها، فقامت العاقر بقتل عشيقتها الحُبلة وطفلها معها!!؟.
      ومن الموّثق تاريخيًا، طبعًا بحسب المراجع المُتاحة، أنه لم يوجد بيت في روما، إلا وتكوّنت الأسرة داخله، من أب وأم وعبيد، فقد كان وجود العبيد جزء من بنيّة المجتمع في ذلك الوقت، وكثرتهم دليل تميزه وتقدمه في الصناعة والخدمات!!؟. لذلك رأينا بين صفوف العبيد في الدار، أنثى تختّص بإسعاد ربّة البيت، تقوم بتحميمها، ومداعبتها جنسيًا، وتزيينها وتصفيف شعرها، وإختيار ملابسها للخروج والسهرة. وذكر يختص بإسعاد رب البيت؛ يتبارزان ويتدربان على القتال معًا، ثم يلهوان في ممارسة تبادليّة حرّة. طبعًا مع علم الطرفين "الزوج والزوجة" بوجود تلك العلاقة المِثليّة التكميليّة التي تتم بين/ مع كل طرف، والعبد الذي إختاره. المثليّة لم يتم إعتبارها خيانة لقدسيّة الحياة الزوجيّة، أو تقليل لكرامة أحد أطرافها، أو إنكار لحقه. المثليّة، كما قدمها المسلسل، هي الحياة التي لم تعرف طبقيّة، أو تمييز، أو تفرقة. ولكن هذا لم يمنع من وجود غيرة وحالات الشك في وجود خيانة، بين المثليين وبعضهم، فالعلاقة تتطلب قدر من الوفاء والإخلاص، إلا إذا تم الاتفاق - بين الطرفين- على غير ذلك من بدايتها.
هذا ليس "نموذج أمريكي" يسعى الغرب الماجن الداعر، وفق نظريّة المؤامرة الكونيّة، إلى تعليبه وإرساله لمجتمعاتنا المتخلفة التي تأن تحت وطأة الدين والجهل والمرض، كي نُحاكيه لنصير مثلهم لا سمح الله!!؟. بل هي صورة فنيّة توضح ما وصل إليه ذلك الوسط الإجتماعي الإنساني، من تفاهم في أدق العلاقات الخصوصيّة السريّة، التي دائمًا يُساء فهمها، ومحاربتها عن جهل بها.


 

التطهير والخلاص

التطهير والخلاص

     بعض الأفلام تنتهي متعتها وفكرتها من ذاكرتنا، بمجرد إنتهاء مدة عرضها، بينما بعض الأفلام الأخرى تترك في مخيلتنا العديد من التساؤلات تصحبنا من بداية العرض، وحتى إنتهاءه، وربما لعدة أيام بعد ذلك. ومن ضمن هذه الأفلام يندرج فيلم "The Purge/ 2013"، من تأليف وإخراج جيمس ديموناكو، الفيلم يدور حول عمليات "التطهير الشعبي"، التي يقوم بها الأفراد تجاه بعضهم البعض، في يوم معين تم تخصيصه لذلك، في ظل سماح الحكومة وأجهزة الدولة. مما يجعلك تقف أمام عدة تساؤلات؛ هل يكون العنف والقتل، حل لمشكلات العنف والقتل!؟. هل عقاب المُذنب بنفس ما أذنب به، دون أن يقدم ما يدافع به عن نفسه، أمام محاكمة عادلة، سيعتبر وسيلة ناجحة لحل المشكلة!؟. وهل عمليات الإبادة الجماعية؛ لطبقة أو فئة أو فصيل أو جماعة ما، سيكتب لهم الفناء والإختفاء والإندثار نهائيًا، ولا يعود لذكرهم وفكرهم بعد ذلك، أي شخص مجددًا!؟، وما هو دور الدولة والعقد الإجتماعي، طالما يفعل كل شخص حريته التي تؤذي وتدمر غيره!؟.

يبدأ الفيلم بمجموعة متنوعة من المشاهد الواقعية، من تسجيلات كاميرات المراقبة في الشوارع الرئيسية والمحلات التجارية والمؤسسات الكبرى، ولقطات أخرى من قنوات تليفزيونية إخبارية مختلفة، ويظهر بجانب كل فيديو منهم بيانات توثيقية عن يوم تسجيله، ومكانه، والتوقيت المأخوذة فيه تلك اللقطات. اللقطات تحوي عمليات عنف وقتل جماعي ومعارك دموية بالأسلحة البيضاء وعصا البيسبول التي ترتفع وتنزل لتكسر عظام إنسان أعزل يتألم ويصرخ بلا مساعدة أو تدخل ممّن حوله!!؟، ثم نرى عمليات منظمة لحرق بيوت وشركات كاملة، وصراخ ودماء في كل مكان، والعنوان الثابت لكل الفيديوهات هو "الحفل السنوي للتطهير". بعد ذلك نجد بطل الفيلم رجل الأعمال "جيمس ساندين" بأداء الممثل المعروف إيثان هاوك، يستقل سيارته في طريق عودته إلى المنزل، ملقيًا كلمات التحية على جيرانه، ويشجعهم على تجاوز ذلك اليوم بنجاح، كعادتهم كل عام، ثم يأتي صوت البث من الراديو "الفقراء والضعفاء لا يمكنهم حماية أنفسهم، بالتالي هم الأقرب إلى الفناء.. الحرية هي شعار بلدنا العظيم أمريكا، ما خطتكم للتطهير اليوم؟؟؛ ونسمع إجابات المستمعين "أنا قمت بتأمين منزلي جيدًا..  سوف أذبح رئيسي في العمل... سأقتل كل من أساء إليّ... سأسرق البنك المركزي".  ثم يعقب المُذيع عليهم بحماس "حرر الوحش من داخلك.. طّهر نفسك.. برجاء وضع زهور زرقاء أمام باب منزلك حتى يعرف الجميع أنك مؤيد ومتضامن في حملة التطهير العام". وهنا نلحظ التشابه والرمزية بين فكرة الزهور الخاصة بحماية فئة معينة، حتى لا يتم الفتك بها وقتلها، تعيد في ذاكرتنا رمزية الصليب المعكوف الذي رسمه الألمان على منازلهم، حتى لا يتم قتلهم بإعتبارهم يهود إبّان الحرب العالمية الثانية، أو الخطوط المتقاطعة التي رسمها اليهود أنفسهم على أبواب منازلهم في مصر، حتى إذا جاء ملاك الرب لا يقتل أولادهم، بحسب ما جاء في قصة الضربات العشر المذكورة بسفر التكوين التوراتي.

في المنزل العريق، نتعرف على أسرة "ساندين"، الزوجة "ماري"، والإبنة المراهقة "زوي"، والإبن الصغير "تشارلي". أربعتهم يتناولون طعام العشاء على السُفرة، قبل أن تُعلن الساعة تمام السابعة مساءًا، فتأتي رسالة رسمية عامة، مكتوب ومنطوقة، على كافة القنوات، وفي خلفيتها يرفرف العلم الأمريكي، تقول "هذا نظام الطوارئ المركزي، نعلن بدأ حملة التطهير العام، الذي أسسته الحكومة، جميع الأسلحة مسموح بإستخدامها، مسئولي الحكومة فقط عليهم حصانة من التطهير، الآن تنطلق الصُفارة الأولى، وسيتم سحب أي قوات رسمية "الإسعاف، الشرطة، الجيش، المطافي"، لن يستجيبوا لندائكم، كل الجرائم مشروعة، من الآن ولمدة 12 ساعة، حتى تسمعون صوت الصُفارة مرّة إخرى، تعلن انتهاء التطهير العام" فينظر أفراد الأسرة لبعضهم، ويُبدي الأب إرتياحه وترحيبه بهذا النظام الحضاري الذي يُساهم في خلاص المجتمع من جراثيمه البشرية التي لا تستحق الحياة!!؟.
       
      
     تتعقد الأحداث، حينما نجد عشيق الإبنة، لازال داخل المنزل، ولم ينصرف كما أخبر الفتاة، ونعرف إن الشاب يريد إستغلال ساعات التطهير ليقتل الأب  "ساندين" الرافض لفكرة حب إبنته بالشاب. في نفس اللحظة، نرى خارج المنزل من خلال شاشة كاميرات المراقبة، شخص أسمر "زنجي" مصاب بطعنة في بطنه، يركض في الشارع إلى باب المنزل، طالبًا النجدة ولكن لا يتدخل أحد لمساعدته. فيتدخل الطفل "تشارلي" ويوقف أجهزة إنذار المنزل للحظات، ويفتح الباب سامحًا له بالدخول، دون أن يستأذن أبويه، قبل هذا التصرف. فيدخل الزنجي ويختفي في المنزل لحظة معركة الأب والعشيق بالمسدسات. ثم نعرف أن هناك جماعة عنصرية، تسعى للتخلص من الزنوج، تطارد هذا الشخص. ويطلب زعيمهم من "ساندين" أن يسلمه لهم حيًا، وإلا أحرقوا المنزل وقتلوا كل من فيه!؟. ويقول له "الأزهار الزرقاء على باب منزلك مستر ساندين، والتي تؤكد صدق نواياك وتضامنك مع حملة التطهير، لذلك عليك أن لا تتراجع عن القتل والوحشية معنا لنصل لخلاص المجتمع"، ثم يقطعون النور عن المنزل.

من أروع المشاهد في التصوير، مشهد المطاردات في الظلام على أضواء الكشافات، كذلك المعركة بين الأب والزنجي الجريح، حيث ظهرت براعة الكاميرا في تجسيد الأنفاس اللاهثة وسرعتها في إدراك ركض الأب والأم والإبنة في مطاردتهم لهذا الشخص الغريب داخل منزلهم، كذلك درجات تباين الإضاءة بين القمر في الخارج، وضوء الكشافات من نوافذ المنزل المظلم.

ولا ننسى وضوح ومباشرة السيناريو، في حديث المواجهة الخاصة بالمبادئ الإنسانية، الذي تثيرُه الزوجة حينما علمت أن الزوج سيسلم الزنجي للجماعة بالخارج، ويقف ليشاهدهم يذبحوه ويمثلون بجثته!؟. فيحاول الزوج أن يؤكد لها أن هذا نظام الدولة في التطهير العام، وكل الشعب اتفق على ذلك وأيده في إستفتاء عام، ولسنا مطالبين أن نظهر أي مشاعر في تنفيذه، فتخبره الزوجة أنها لن تشارك في تلك اللعبة القذرة، وستحاول حماية هذا الشخص. ووسط المشادات الكلامية، يُبقي الأب عليه، ويعلن إنه سيحارب الجماعة العنصرية المتطرفة التي تستعد للهجوم على المنزل. فتبدأ مجموعة من المعارك وسط طلقات النار، وتطاير الدماء والأشلاء هنا وهناك، ولكن المفاجأة حينما نجد أن بعض أسر المنازل المجاورة تأتي لمساعدة أسرة "ساندين" للتخلص من هذه العصابة، ثم نكتشف بعد ذلك إنهم جائوا فقط لنوال شرف قتل "ساندين" وعائلته، بسبب الفروق الطبقية بينهم!؟. في النهاية يقوم الزنجي بمساعدة الأسرة في التصدي للهجوم سواء ضد هذه الجماعة المتطرفة أو ضد الأُسر المجاورة. وينتهي الفيلم على دقات الساعة السابعة صباحًا، وإصابة الأب بطعنة غادرة، وسط دموع الأم والأبناء، وخروج الزنجي من المنزل مع شروق الشمس في صورة فنية تحمل العديد من الدلالات.

جاء تصميم خلفيات الفيلم مُعبرًا بشكل واضح عن محتواه، فنجد الخلفية الأولى، صورة بيضاء مربعة، بداخلها الصليب الأحمر الشهير الخاص بالإسعافات، موضوع داخل دائرة وعليه خط قاطع يفيد المنع والرفض، وكتب فوقه "تنبيه: جميع الخدمات الطارئة، سيتم تعطيلها، لمدة تستغرق 12 ساعة، حتى يتم التطهير". الخلفية الثانية صورة سوداء، في مقدمتها إلى اليمين قناع ترتسم عليه ضحكة مرعبة، وتظهر من تحته عين من يرتديه مُنذرة بالشر، وكتب إلى يساره "ليلة واحدة في العام، كل الجرائم مسموح بها.. حاول أن تظلّ حيًا".





   
    الفيلم يُعيد طرح ومناقشة العديد من الأفكار النازية الفاشية، الخاصة بالمحرقة والإبادات الجماعية، بجوار تصاعد الرفاهية والتوجهات الرأسمالية النخبوية والصراع الطبقي حولها، من خلال عرض فكرة إجماع الناس في دولة الحريات العظمى، على تخصيص يوم لهم، يتخلون فيه عن تحضرهم ورقيهم وتمدنهم، ليستعيدوا فيه حياة الغابة مجددًا، حيث البقاء للأصلح والأقوي والأقدر على التكيُّف، ليتم تطهير المجتمع، خلال ساعات إختفاء وإنسحاب السلطة الإختياري، ويتم قتل كافة الفقراء والمرضى والمسنين والأطفال والأغبياء وأي شخص مختلف مع السياق التطوري الحديث!؟، والسلطة بدورها، خصصت هذا اليوم ليطلق كل فرد الوحش الذي بداخله، الساعي للفتك والقتل والذبح والغضب، ولكنه لا يفعل ذلك خوفًا من كلمة قانون أو صوت دين، بالتالي بدلا من أن يتم شحن الناس ضد السلطة في ثورة أو تمرد أو إنتفاضة، شحنتهم الدولة ضد بعضهم البعض، وخصصت لهم "يوم التطهير الشعبي".

الموت يتسرب إلينا

   حينما تتقلص الحياة


 

       هواة الأبحاث الفلسفية والنفسية وربما الإجتماعية أيضًا، قد يجدون في هذا الفيلم زادًا يعينهم لكتابة العديد من الدراسات والمقالات، بل وتدوين التحليلات المنفردة عن كل شخصية على حدا. ففي فيلم " Detachment "2011، نرى مزيج من الشخصيات المُركبة في تصرفاتها، والتي يرى كل منها العالم بشكلٍ مختلف، ولكن يبقى ما يجمع بينهم هو نفس الهَّم الوجودي المُشترك، ذلك الشعور المستمر بإفتقاد الرغبة في الحياة، وإنطفاء نور الغد من حولهم بشكل تدريجي.

الفيلم ضم مجموعة كبيرة من الفنانين، ربما أهمهم آدريان بوردي في دور المدرس الإحتياطي "هنري بارثينز" والذي سبق لنا ورأيناه في العديد من الأفلام التي تركت بصمتها في السينما العالمية مثل؛ عازف البيانو The Pianist 2002، الفصيلة المجهولة Splice 2009، "التجربة" The Experiment 2010، ومعه الممثلة ماريكا جااي في دور مديرة المدرسة، بجوار الشابتين الصغيرتين، باتي كايا في دور التلميذة البدينة "ميرديث"، وسيمي جايل في دور فتاة الليل "إيريكا". 

الأحداث في الفيلم، تدور في أماكن ضيقة، قليلة، باردة نفسيًا، يُغلفها جميعًا ذلك الظلام التدريجي ذو الإضاءة المائلة للزُرقة؛ حتى أنك تعتقد أن تلك الأماكن هي إمتداد لبعضها البعض، أو إنهم مكان واحد كبير، يحوي بداخله إختلافات نسبية في الديكور. حتى الممثلين قليلي الحركة، وكأنهم مقدين في أماكنهم، لا يمكنه مغادرتها.

في المشاهد الأولى، وقبل تترات الفيلم وعنوانه، نرى تلك العبارة الوجودية، والتي اشتق منها إسم الفيلم، وموقعة بإسم الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو "ولم أشعر قط أنني مكتمل الحضور، وفي نفس الوقت شعرت بمدى إنفصالي عن العالم". وكأن المخرج بذلك يمّهد لنا ما ينتظرنا من أحداث لها طابع فلسفي مختلف، يحتاج نظرة أكثر عمقًا. ثم نرى لقطات وكأنها تسجيلية، للمدرس هنري يجلس على طاولة في وضع الإستعداد لتسجيل تجربته في التدريس، ويطلب بهدوء أن يقوم من يجلس أمامه بوضع شريط يسمح بمساحات أكبر من وقت الحكي.


بعد ذلك؛ نرى المدرسة بفصولها المحطمة، وطلبتها المشاغبين، ومدرسيها المحبطين نفسيًا، الرافضين لوظيفتهم وواقعهم، والغير مؤمنين بدورهم التربوي والتعليمي. حتى في غرفة المدرسين لا يتحدثون مع بعضهم البعض، أو يستقبلون أي طلبة للإجابة على تساؤلاتهم، فلا توجد لدى الطلبة تساؤلات، ولا لدى المدرسين إجابات، بل الكل يحيا شكليًا فقط في هذا المكان.
تنقلنا الكاميرا لنتعرف على واقع المُدرس، فتحولنا برشاقة إلى شقة "هنري" قليلة الأثاث، غير منظمة، ذات إضاءة خافتة. وبعد ذلك، نرى المستشفى حيث يركض جد "هنري"، الكهل المصاب بمرض الزهامير، والذي يذهب "هنري" لزيارته يوميًا ليلقي عليه نظرة ربما تكون هي نظرة الوداع.

في لقطات طويلة، هادئة، صامتة، داخل المدرسة، نرى المدرس "هنري" وهو يسير في الممرات الطويلة الضيقة، النصف مضيئة ونصف مظلمة، والكاميرا ترصده لنا من ظهره دائمًا، وهو يسير بإتجاه البقعة الأكثر إظلامًا بطول الممر، وكأنه يخاف من مواجهتنا، أو يتجه بنفسه نحو المجهول الذي لا يعلمه أحد حتى هو. نفس الحال في ممرات المستشفى، والتي تدل جدرانها الطولية البيضاء الباهتة، على رهبة الموت وبرودته، حيث كان يذهب هناك للإطمئنان على صحة جده المريض.

التقطيع في الفيلم "المونتاج" لعب دورًا هامًا في إدخالنا لقلب الأحداث، وفهمها بصورة أوضح وأعمق، نرى الأستاذة المُدرسة تجلس مع هنري في أحد المطاعم هي وحدها من تتكلم وهو فقط يستمع، في البداية كان مستمتعًا بحديثها، ثم لاحظنا من تقطيعات الكادرات، واختلاف زواياها، إنها أطالت في الحديث كثيرًا حتى تسرب الملل إليه، والكاميرا تقوم بعمل Zoom in.  على فمها أثناء الحديث. 

كذلك لقطات غضبه بسبب سوء فهم حدث حينما كان في الفصل المدرسي، وتم ضبطه يحتضن الطالبة الباكية "ميرديث" لطمأنتها ومحاولة منعها من ترك المدرسة نهائيًا، رأينا اللقطات مهزوزة، تقترب من وجه هنري بشكل يحوله لمسخ وكأنه سيهجم علينا، لتظهر إنه في لحظات الغضب يكون الإنسان في أبشع صورة له. كذلك تم إدخال صور لوالدته التي انتحرت وهو طفل صغير، كلما حاول الجلوس مع أي انثى، والتي ربما تحيلنا ذهنيًا لفهم محاولاته المستمرة لإنقاذ أي انثى يجدها في خطر أو تعاني من مشكلة بشكلٍ معين.

الفتاتان، كل منهما تحمل قصة مختلفة، قد يقوم فيلم كامل عليها. "إيريكا" فتاة الليل، التي تحاول في البداية إغراء المدرس في طريق عودته للمنزل، ولكن حينما يرفضها، ويعاملها كإنسانة تم التغرير بها تائهة في عبث الواقع، تشعر بتميزه، وإنه شخص مختلف، تحاول الإلتصاق به، فيحاول إن يوضح لها إن لها حياة أفضل يمكن أن تصل لها، ويمكنها إكمال دراستها أو تلتحق بوظيفة، وكان يرى فيها أمه المنتحرة التي غابت عنه في أشد أوقات إحتياجه لها، وفي لحظة معينة حينما وجد إن "إيريكا" ستبدأ بالتعلق به وتحبه، ترك رجال الإصلاحية يأخذونها، في مشهد مؤثر مليء بالبكاء والصراخ.



"ميريدث" فتاة أخرى تائهة في نفس العبث الوجودي، ولكن قصتها تحمل ثقل من الألم لا يُحتمل، والدها يهينها يوميًا ويعتبرها بقرة سمينة بسبب كبر حجمها ووزنها الزائد، ويوبخها إنها لن تتزوج ولن تجد من يحبها وهي بهذا الشكل. وقد تعمّد المخرج أن لا يُظهر لنا شكل الأب ويأتي بصوته فقط من خارج الكادر ربما كدلالة أن الشر دائمًا المتمثل في الشخص الذي يحبطنا لا يجب ظهوره مباشرة أمامنا، بل ربما يأتينا صوته ليملأ المكان بالسواد والضجيج، ليدفعها للإنتحار في حفلة التخرج في نهاية الفيلم. غرفة "ميريدث" مليئة بالصور التي التقطتها لأصحابها وأصدقائها في المدرسة، ولكنها حذفت عيون كل من في الصور، وكأنها تخاف من عيون الناس التي تسلبها وجودها وتطاردها وتسخر من وزنها الزائد في كل مكان. حتى حينما قامت بتصوير "هنري" حذفت عيونه، وحذفت الطلبة من الفصل، وقالت له "مدرس بلا عيون... في فصل بلا طلبة".

الفيلم ينتهي نهاية غير متوقعة، حيث تنتحر "ميريدث" في حفل التخرج على مرأى ومسمع الجميع، حينما تتناول "كيكة" قامت بتسميمها واحتفظت بها لنفسها ورسمت عليها وجه الحزين، ومنعت أي شخص أن يأخذها، بينما باقي القِطع رسمت عليهم وجوه مبتسمة، وقدمتهم لزملائها الطلبة. وفي حزن "هنري" يذهب لإخراج "إيريكا" من الإصلاحية، لتعود للحياة معه من جديد، وهي اللقطة الوحيدة طوال الفيلم التي تظهر الشمس وأشعتها لتغلف المكان ككل، وكأنها الإشارة أن حبهما هو الذي أنار هذه المدينة الحزينة، وغيَّرت هذا الواقع المظلم من حولهما. 
 

حرق الأحداث هل يقضي على متعة المشاهدة الأولى!؟




    "حرق الأحداث" هو ذلك المفهوم المُبهم، الذي يطلقه البعض على تلك الحالة التي يعتقدون فيها أن "لهفة ومتعة الفيلم يتم الانقضاض عليها وحلها وفضحها، لمجرد قيام شخص بسرد جزء أو كل أحداث الفيلم (Spoiler)"، مما يجعلنا في مواجهة عدة تساؤلات منها: هل حقًا يمكن حرق الأحداث!؟، هل حكي وسرد جزء من أحداث الفيلم قد يُغني عن مشاهدته بشكل كامل!؟، هل لكافة المشاهدين نفس الذاقة ونفس لغة التعبير عن فن الصورة!؟، علاقة المقال التحليلي والنقدي بحرق الأحداث!؟. ومن خلال محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات، ننتقل لبيان عدة نقاط، من شأنها توضيح "مغالطة حرق الأحداث" وهي:

1-   الرواية تستخدم الكتابة على الورق (الدال الكتابي) للتعبير، وهي علاقة أحادية بين الكاتب والورق، بينما السينما تستخدم فن حركة الصورة (الدال البصري) للتعبير، وفيها علاقات متعددة بين تخصصات متداخلة، بالتالي لكل مجال أداته وطريقته في توصيل المعنى والفكرة و إبراز الدلالة، والتي تختلف بين القطاعين، مما يجعل من الصعوبة بمكان حكي الفيلم شفهيًا أو كتابيًا، مهما بلغت حرفية ودقة من يحاول "حرق الأحداث".

2-  حبكة الفيلم نسيج واحد متصل، سيمفونية متعددة الأدوات، هناك مثلا: التصوير، والإضاءة، والديكور، والموسيقا والمؤثرات الصوتية، والمكياج، والخدع الجرافيك، والتمثيل وبراعته، والعبارات ومدى حرفية الممثلين في إلقائها بنبرات صوتهم المميزة، يجمع كل ذلك مايسترو واحد هو المخرج، الذي يُعد أول عين تتخيل الفيلم وتراه في الصورة النهائية التي سيخرج وفقا لها، بالتالي من يحكي الفيلم -حارق الأحداث- لن يتمكن من إيصال كل هذه السيمفونية من خلال أداة واحدة فقط هي الكلام!!، بل سيكون من الأسهل أن يعرض الفيلم لك.

3-  لو كان حكي الفيلم يكفي لحرق أحداثه وضياع متعته، ربما سيكتفي المخرج بعد ذلك بطبع نسخ من سيناريو الفيلم، ويقوم بتوزيعها على الناس، بدلا من أن يرهق نفسه ومعه باقي فريق العمل من الفنيين والفنانين والحرفيين في المشاركة لصنع الفيلم. ولكن ذلك لم ولن يحدث، وهناك تجربة إصدار كتب تحتوي على سيناريو بعض الأفلام الهامة، ولكنها قلما تلقى إهتمام القاريء العادي، بل يتناولها القاريء المتخصص بالدراسة كمقدمة أولية قبل المشاهدة، لمعرفة بنيَّة الفيلم وبراعة المخرج وفريق العمل في صنع هذا الصرح الفني.

4-   أحداث وتفاصيل الرواية (نص مكتوب) لا تتحول -عادًة- إلى فيلم (صور متحركة) كما هي بنفس التفاصيل، دون إدخال تغييرات ورؤى متعددة، بالتالي حتى لو كنت قد قرأت رواية وتظن إنها ستتحول إلى عمل سينمائي وتظل محتفظًا بنفس أجوائها فأنت مخدوع أو موهوم، المخرج ليس رسام كوميكس، ينقل لك الرواية بأمانة كما هي، بل هناك خيانة مبدعة للنص، هناك رؤية خاصة به في صنع الرموز والإيحاء والحبكة والحركة، كذلك مدير التصوير في اختيار الكادرات والعدسات والمشاهد المناسبة، إلى آخر العناصر الفيلمية التي تشارك في ظهور العمل. وهناك عشرات الأمثلة عن روايات تحولت إلى أفلام ومازال البعض يقوم بعقد تلك المقارنات البائسة بين كلاهما، ويحاول إظهار الاختلافات، ليصادر على حرية المخرج ورؤيته وبراعته في تصوير الفيلم، ونذكر رواية "المريض الإنجليزي" للروائي الإيطالي مايكل أونداتجي، وأشهر مثال مصري "الثلاثية" و"الطريق" و"السمان والخريف" واللص والكلاب" و"زقاق المدق" وغيرها الكثير للكاتب العالمي صاحب الحظ الأوفر في تحويل أعماله إلى أفلام الأستاذ نجيب محفوظ.

      بالتالي كان من السهل على دعاة هذا الرأي أن يقترحوا على الروائي أن يتعلم حرفيّة كتابة السيناريو ويكتب للسينما مباشرة ويترك عمله الروائي!!، أو يقف بنفسه كحارس على يد المخرج يوجهه ليكون الفيلم مطابق للرواية!!؟. بالتالي إن كانت الرواية وهي النص الأصلي المأخوذ عنه الفيلم لم يطابق الصورة المتحركة على الشاشة الفضية فما بالك بشخص يريد سرد ما رآه على هذه الشاشة!؟.

5-  المقال النقدي والمقال التحليلي للفيلم، حينما يحتويان على أجزاء من الفيلم (مشاهد/ لقطات)، يكون الكاتب قد قام بذلك من أجل تحليلها وإبراز عمق الدلالة والمعنى فيها، من أجل النقد وإبراز مراكز القوى والضعف في التعبير البصري وغيره من أدوات فيليمة، لبيان "ماذا يريد الفيلم أن يقول!؟، وكيف حاول أن يقول!؟". فلا حرج على الكاتب أن يسرد لنا بعض أحداث الفيلم، ولا يعتبر هنا "حارق للأحداث".

6-  المقال النقدي والمقال التحليلي، يُعدان أحد طرق حفظ وأرشفة موقف ورأي وتذوق الكاتب/ الناقد عن الفيلم، فهناك عشرات الأفلام التي تاهت في غياهب التاريخ؛ سواء بسبب السرقات للأصول الخاصة بشريط الفيلم، أو لسوء أماكن تخزينه أو لعدم وجود شريط للفيلم من الأساس إلا مع المخرج ويرفض عرضه لأسبابه الخاصة!!؟. خاصة وإنه لا يوجد في مصر أرشيف سينمائي يضم تاريخ السينما المصرية، ومعظم الأفلام غير متوفرة على شبكة الإنترنيت ومواقع المشاهدات أو شرائط الفيديو!!؟. بالتالي لم يبقَ عن الأفلام سوى مقالات تحكي قصة الفيلم وتعرض شريط بياناته وفريق العمل، تعد كوثيقة نعود لها لمعرفة احداث الفيلم وتفاصيله، ورؤية الناقد له.

7-  المقال النقدي والمقال التحليلي، مفاتيح ذاتية للدخول إلى بوابات الفيلم، الناقد يكتب رؤيته، والتي يتفق معنا من بداية المقال، إنه موقف شخصي بحت، يعبر فيه عن ما ظهر في نفسه عند مشاهدة الفيلم، وينتظر منا نحن أيضًا أن نفعل المثل فور مشاهدتنا، وهذا المقال النقدي/ التحليلي يساعدنا في التعرف على جماليات فن الفيلم وليس يوجهنا لإصدار أحكام مطلقة على حبكته أو أحداثه أو طريقة عمل فريقه، بالتالي المقال يُعد "وسيط مؤقت قد يسبق أو يعقب اللقاء الحي مع الفيلم نفسه"، ولا يعتبر حرق للأحداث.

  


العمل الأول وتشكيل الوعي


العمل الأول وتشكيل الوعي
                         

      العمل الأول في حياة أيّ فنان، وفي أيّ مجال، هو تذكرة دخوله لعالم جديد، هو لحظة إلتقاءه بالجمهور العريض مِن حوله، لحظة المواجهة بمن ينتظر فنه وإنتاجه. إلتقاء الذاتي الفردي الداخلي بالخارجي الجمعي. لذلك فقد يُعتبر؛ بشكل ما، العمل الأول، مقياس نجاح أو فشل، صعود أو هبوط، تقدم أو تأخر، هذا الفنان. 


وفي السينما يلعب الفيلم الأول، عمومًا، دورًا في هذا، ولكن يظل الفيلم التسجيلي، خصوصًا، هو الأكثر انتشارًا وصاحب الغلبة عند المتلقي، فهو الأقرب لوجدان المشاهد والأكثر صمودًا أمام الزمن، حيث أبطاله على الشاشة هم أبطاله في الواقع، ما يقومون به اثناء وجود الكاميرا، هو نفس ما يقومون به، غالبًا، في حياتهم اليومية العادية، دون تدخل بالديكور أو الممثلين، ودون نص حواري مكتوب، مما يعطي التسجيلي بُعد أعمق في الوعي الإنساني.

وفي السينما العالمية، في فرنسا، كان أول فيلم يظهر للنور، فيلم تسجيلي، فقد سجّل الأخوان أوجست ولويس لوميير Auguste & Louis Lumiere اختراعهما لأول جهاز يتمكِن من عرض الصور المتحركة على الشاشة في 13 فبراير 1895 في فرنسا، على أنه لم يتهيأ لهما إجراء أول عرض عام إلا في 28 ديسمبر من نفس العام، فقد شاهد الجمهور أول عرض سينماتوغرافي في قبو الجراند كافيه  Grand Café، الواقع في شارع الكابوسين Capucines بمدينة باريس. وكان هو فيلم "وصول القطار إلى المحطة"، فيلم وثائقي قصير صوره وعرضه الأخوان لوميير، ورغم أن الفيلم لا يحتوي على مضمون معين ويكتفي بعرض عملية وصول القطار إلى محطة مدينة لاسوت إلا أنه حصل على شعبية كبيرة  وأحدث ضجة لدى الجمهور الذي لم يكن جاهزًا بعد من الناحية النفسية لتقبل صورة حية لحركة القطار وهو يأتي من بعيد ويقترب تدريجيًا إلى الكاميرا/ الشاشة ثم يحتل الكادر كاملا لكي يعطي انطباعا بالضخامة، حتى إن بعضهم قفز من على الكراسي معتقدًا إنه قطار حقيقي!!. وكان فيلمهما الثاني "خروج العمال من المصنع" لا يقل عن الأول في جديته وأهمية موضوعه. 


    ورغم أن الفيلم يعتبر من ناحية تصنيفه فيلما وثائقيًا/تسجيليًا فإن الكثيرين كذلك يعتبرونه أول فيلم فني، ذلك أن الذين يظهرون في الكادر هم في معظمهم من أصدقاء وأقارب الأخوين لوميير اللذين قاما بدعوتهم للسفر على متن ذلك القطار من أجل تصوير الفيلم.

    وفي مصر، كان قدوم هذا الاختراع الجديد مبكرًا. وكانت مصر من أوائل الدول في العالم التي عرفت هذا الإختراع. في أقل من عام على مرور أول عرض سينمائي على مستوى العالم ( باريس 28 ديسمبر 1895)، كان أول عرض هنا في مصر في الإسكندرية (5 نوفمبر 1896).

وقد قام "عزيز ودوريس" بإنتاج أول شريط سينمائي مصري صامت بإسم "زيارة الجناب العالي للمعهد الديني في مسجد سيدي أبو العباس" 1907، وهو الميلاد الحقيقي للسينما المصرية ومنه يتم التأريخ لفن الفيلم في مصر، بحسب أغلب النقاد، كما سبق ورأينا الاحتفال بمئوية السينما المصرية 2007. وفيه يظهر الحاكم لحظة دخوله المعهد الديني والحفاوة والفرحة تظهر على الجماهير المحتشدة من حوله. وقام الفيلم في هذه الفترة بخلق نوع من التواصل والرباط الشعبي بين المشاهد/ المُتفرج والباب العالي من خلال زيارته لمسجد أبي العباس، حول علاقة الحاكم بالمحكوم، ومحاولة إذكاء المشاعر الروحية ودمجها بالمشاعر الوطنية.

    والمفارقة بين العمل السينمائي الأول الفرنسي، والعمل الأول المصري تبدو واضحة صارخة في تباينها، فبينما ظهر الوثائقي في فرنسا باعتباره تعبيرًا عن الواقع الحي العفوي، أي عن حياة الناس العادية كما يمكن تلمسها في محيطنا المباشر ("الخروج من مصنع لوميار"، "دخول القطار إلى المحطة"،...)، وارتبط، من ثمة، بمفهوم الاكتشاف ومعرفة العالم الإنساني اليومي. جاء الفيلم المصري ليتخذ وجهة مختلفة تتمثل في الانشغال بتغطية نشاط الدولة الرسمي ممثلا في التحركات والتنقلات التي تقوم بها الطبقة السياسية أو الحكام العرب "الباب العالي" على وجه الخصوص، بجوار البُعد الديني الواضح في الموضوع في زيارته للمساجد والمعاهد الدينية، وكأن الفيلم جاء ليخلق ويؤكد بدوره ذلك التزاوج بين الدين والسياسة في شعور المتفرج. 

Saturday, September 12, 2015

مأزق الثقافة الجنسية جـ 5



مأزق الثقافة الجنسية جـ 5



     في بداية المرحلة الجامعية، حدثنا طيب الذكر القديس مصطفى سِكس، عن أحد أهم مغامراته الجنسية المختلفة عن السياق العام في مضمونها، كإجابة على سؤالنا، نحن الطلبة اللحوحين، عن تجربة الجنس مع المنتقبات؟!.، ففتح فمه الطاهر وقال "كنت بلاغي واحدة منتقبة، كنت قفشت رقم موبيلها من صاحبتها، وطبعًا مكناش بنخرج ولا نتقابل كثير عشان بتخاف حد يشوفنا سوى، فكنا في البداية بنقضيها فون بس، وبعد مكالمة والتانية والثالثة في موضوعات عامة... السنارة غمزت ولانت وبانت لبتها.. وكلمة من هنا على كلمة من هناك جت رجليها، وبعتت لي صورها في أوضاع فاضحة ينتصب لها البتاع، ورغم إنها متجوزة من واحد سلفي، ولكن طلعت مشعللة وحيحانه أكثر من واحدة هجرها جوزها من تلات سنين وشهرين وأسبوع.. وكنت فهمت منها إن جوزها مجرد حمار في السرير لا لعب ولا دلع ولا هشتكا.. مجرد آلة ميكانيكية منتصبة لضخ السوائل... المهم... اتفقنا نتقابل نعمل واحد صحيح كله حنية... ولكنها خافت ورفضت حاجة زي كدا لا لشيء إلا عشان سُمعتها.. وطبعًا عملت نفسي مصدقها يعني... وفي النهاية صدمتني بإقتراحها وعرضها.. طلبت مني أروح لها البيت ونعمل في عقر دارها"، وهنا قاطعه أحد أصدقائنا الطلبة مستفهمًا "آحااا... يعني هي متجوزة... ومنتقبة.. وهتروح لها البيت كمان... الموضوع شكله مقلب يا كبير أو إنت بتسرح بينا!؟"، فأنتهره طيب الذكر وقال "هكذب عليكم ليه يا جزم... والموضوع عمره ما يكون مقلب... كفايا تأوهاتها وهو بتجيبهم في السكس فون بتقول إن الجسم الملهلب دا محتاج عناية خاصة... وكانت فكرتها المدهشة أني ألبس نقاب - كانت أديتهولي في واحد من اللقاءات اللي إتقابلنا فيها- وأروح لها البيت....."، وهنا غطى صوت ضحكنا على صوت حكيه، فسكت ورفض الإكمال، ولكن بعد أن أظهرنا رشوتنا المعتادة، علبة LM أزرق، قبل الهدية وكمل قائلا "المهم أول مرة لبست النقاب كنت خايف ومرعوب... خاصة إني لابس جزمة حريمي سرقتها من أمي وضيقة في التحرك بيها... ومش عارف شعور المنتقبة وهي تحت الشوال الأسود المقفول دا إيه.. بس بجد عذاب يا شباب.. حاجة بنت دين كلب.. تخيل إنك تشوف العالم من (شُراعة) بنص عين ومش عارف تتنفس وزفيرك بيرد في وشك تاني ومفيش منفد للهواااا... آآه بالمناسبة ساعتها عملت كحل في عنيا عشان لو حد بص لي مياخدش باله... وساعات كنت بلبس نظارة شمس..."، وهنا سأله طالب آخر "لحد هنا ماشي... لبست النقاب واتحركت بيه.. هتطلع لها الشقة ازاي.. وجوزها هيكون فين؟!."، فضحك سماحة القديس مصطفى وأجاب "بالعكس.. دي طلعت أسهل نقطة في الموضوع طلوع الشقة عندهم... العمارة مفهاش بواب من أصلووو... وجوزها شخصيًا كان بيفتح لي الباب.. وهو باصص في الأرض .. ومكنتش بتكلم معاه لا وأنا داخل ولا خارج.. لأن صوتي عورا وكداااا... وتيجي هي تستقبلني وتدخلني الأوضه بتاعتها.. وجوزها قاعد برا بيتفرج على خطب محمد حسان والحويني... وأنا جواا بقوم بالواجب نيابة عنه.... بس إيييه كانت بتعمل شوية أوضاع وشقلباظات ولا أجدعها بورنوستار.. ولكن الجحش بتاعها كان كابس على موهبتها وانطلاقها...وكنا بعد ما نخلص أول واحد.. تخرج تعمل لي غداا وترجع ناكل سوا ونخش على الطلعة الثانية... وفي آخر اليوم بقوم أدخل الحمام بنقابي أخد دش وانظف نفسي... وبعدها انزل من سكات... بجد كانت تجربة فشيخة .. وكررناها أكثر من مرة.. لحد ما جينا في يوم وضميرها صحي وقالت لي إنه بتفكر تتطلق واعيش أنا وهي سوى... فقلت لها أما اتخرج من الجامعة هيكون بينا كلام تاني و......"، وهنا صمت القديس عن الكلام، ربما لأن الذكرى والكلام لمسا وتر شديد الحساسية في داخله، وتركنا نسرح بخيالنا لمعرفة باقي مغامراته وحكاويه التي لا يزول بريقها.



مأزق الثقافة الجنسية جـ 4



                       مأزق الثقافة الجنسية جـ 4



    في أحد جلسات الثقافة الجنسية، أو هكذا كنا نسميها، وحينما كثُر الهمس والسؤال لمعرفة أول تجربة جنسية لطيب الذكر القديس "مصطفى سِكس" ، اعترض أولًا ورفض أن يتحدث في هذا الشأن معتبرًا إياه من الأسرار الكبرى، ولكن بعد إلحاح مُريديه ومُحبيه وتلامذته الأوفياء عليه، إحنا يعني، وبعد رشوة بعلبة سجائر Lm Blue تردد وتلعثم ثم تحدث واسهب فقال "بصوا يا أولاد... أول تجربة هي دائمًا أمتع تجربة... مش عشان حاجة جديدة عليك بس، ولكن عشان بتسيب معاك بصمة مهما حاولت مش هتقدر تنساها.. وأول تجربة معايا..كانت وإحنا في ثانوي، كنت مع العيال أصحابي منتظرين المدرس يجي البيت عندنا يدينا الدرس.. وأهلي مش موجودين كالعادة... فالمدرس اعتذر.. فقلنا خلينا قاعدين ندردش ونهيص شوية... والكلام جاب بعضه.. زي ما آديتكم الحصة بتاعت إزاي تكتشف نفسك أما شفنا الفيلم الإيطالي سوى كدا... إنما المرّة دي.. كنا 4 تلامذة حلوين من ثانوي.. وقاعدين في الشقة... وفجأة الباب خبّط علينا.. طلعت البت الزبالة جايا تاخد الشنط اللي بتكون أمي سايباها في المطبخ"، وحينما سمعناه يقول كلمة "بنت زبَّالة" اعترضنا وقاطعناه غير متوقعين أن تكون هي بطلة أول قصة جنسية في حياته العامرة!!؟. ولكن القديس "مصطفى سِكس" رفع يده الطاهرة إلى أعلى إشارة منه لنتوقف عن الأحاديث الجانبية لنستمع لفيض الحكمة المنساب من فمه الطاهر فقال "بصوا... أنا عارف إن الموضوع هتفتكروه مقزز أو رخيص... ولكن اللي شاف غير اللي سمع... واللي جرب غير اللي اتوصف له.. المهم شفتها من العين السحرية بتاعت الباب.. وفتحت لها... وأما شفت رسمة شفايفها.. تخيلت ساعتها إزاي هيكون شكل كُسها.. ودي مش تخمينات على فكرة... ولكن فيه دراسة علمية إنجليزية كنت قريتها بتقول إن فيه علاقة بين رسم الشفتيّن اللي فوق واللي تحت.. صحيح هي بت مصمّدة ومتربة وعليها جلخ الدنيا والآخرة...ولابسة عبايا يمكن السجادة اللي قدام الباب أنظف منها.. ولكن الرسمة حسب ما تخيلتها كانت مشجعة بشكل يهيج دين أم الحجر".


"البنت كانت في أول العشرينات وإحنا نفس الشيء، وقفت قدامي متنحة وسألتني "فين الشُنط يا سي مصطفى!؟"، بقيت مش على بعضي.. ومش عارف افاتحها في الموضوع إزاي؟!. فطلبت منها تدخل الشقة وهتلاقيهم في المطبخ، وبعدها روحت دخلت وراها ووقفت على الباب وجبت لها الموضوع على بلاطة وقلت لها "بُصي... إحنا 4 ... وكل واحد فينا معاه 25 جنيه.. وحابين نقضي كلنا وقت حلو سوى... إيه رأيك!؟."، وهنا قاطعه أحد أصدقائنا وسأله بإستغراب "يعني هتدفع الـ 25 جنيه حساب الدرس في الشهر كُله عشان نيكة!؟"، فأجابه مصطفى معترضًا "يعني إحنا كنا خدنا إيه من التعليم يا روح أمك"، ثم اكمل الموضوع "المهم افتكرتها هتعترض وتقول كاني وماني وربنا وحرام وعيب بتاع... ولكن لقيتها هزت دماغها وإبتسمت وقال "موافقة.. بس سيتي الحاجّة ما تشمش خبر أحسن يكون آخر يوم في عُمري"، وما كدبناش خبر... دخلت الأوضة التانية لاغيت العيال على المشوار... وقمنا كلنا داخلين معاها الحمام... قلعناها إحنا الأربعة... وكأننا بنقشر موزة... شغلنا الدُش على السخن وحمناها... والبخار والرغاوي كانوا مغرقين كل حاجة... وحلقنالها تحت باطها وشِعرتها تحت... صحيح كان كُسها قبل الحموم نفس طعم وشكل وريحة حتت البسطرمة... ولكن شامبو وزيت جونسون يصنع المعجزات... خليناه بيلمع كدا.. بس طبعًا موصلش لدرجة الفوشيا بتاعت الأفلام البورنو... المصري هيفضل مصري بردو.. أصل الواحدة من دُول متعرفش نظافتها الشخصية غير على الجواز بس.. أو رايحة تنام مع واحد.. ولكن لو محدش بيزور اللولو.. هتلاقيه عليه لعنة ربنا كدا". ضحكنا جميعًا من تشبيهاته ودقة وصفه حتى إن بعضنا حدث له انتصاب من التشويق وجمال وعذوبة وحلاوة السرد، والبعض الآخر سرح ببصره وكأنه يحاول أن يعايش المشهد ويتداخل معه في اللاوعي!؟.

وأكمل حديثه، وقد زاد التركيز والإمعان بكل حواسنا مع القصة، فقال "مصبرناش لحد ما ندهل الأوضة اللي جواا... لأن كلنا بعد ما شفنا نظافتها بعد الحموم وإحنا كلنا عريانين تحت البانيو.. الإنتصاب فرتك الفراغ... وهي بنت اللذينه كانت سخنة وفاهمة هي بتعمل إيه... إشتغلنا معاها في كل إخرامها وإحنا على البلاط في الحمام.. اثنين اثنين... ورا وقدام.. والتالت في بقها والرابع بتلاعبه بإيديها عشان ما يهداش.. لحد ما وصلنا أول دُور.. نشفنا جسمنا.. ودخلت ربنا يبارك لها على المطبخ.. عملت لنا الغدا.. أكلنا كلنا وبقى بينا معاها عيش وملح... وكملنا معاها في الأوضة اللي جواا.. وبعد ما خلصنا وكلنا كنا مبسوطين.. حاسبناها وخدت الـ 100 جنيه وهي هطير من الفرحة"، وهنا توقف مصطفى عن الحكي ليشعل سيجارة أخرى، وظننا أن القصة إنتهت إلى هنا، ولكنه أكمل فقال "ومن ساعتها... طلبت من المدرس يغير مكان الدرس ويروح بيت حد تاني من الطلبة عشان المكان عندي مش هيسمح.. وبِعت العيال أصحابي وبقيت هي تجيلي لوحدي كل أسبوع نقضي اليوم كُله سوى.. وتطبخ لي .. وتاخد الـ 100 جنيه مني.. ومع الوقت الموضوع اتطور.. وبقيت تشتري قمصان نوم وتعمل شعرها وتحط برفيوم كمان... والأجمل في الموضوع.. إن عُمر ما حد هيشك في البت الزبالة وهي طالعة أو نازلة البيت عندنا... إنها طالعة عشان نقضي سوى الوقت الجميل داا"

مأزق الثقافة الجنسية جـ 3




مأزق الثقافة الجنسية جـ 3


      في المرحلة الجامعية، في الفرقة الثانية، وبعد إنتهاء محاضراتي في كلية آداب المبنى الجديد، تحركت مع بعض الزملاء، في إتجاه باب كلية تجارة، فهو الأقرب لسيارات "بولاق/ إمبابة"، فقابلت في طريقي طيب الذكر القديس "مصطفى سكس"، صافحني بحرارة وأخبرني إنه ذاهب للكافتيريا بالقرب من كلية علوم عشان "يشقط مُـزّه يقضي معاها اليوم"، طبعًا استغربت من ثقته الزائدة، فقد خبرناه أستاذ لمادة الثقافة الجنسية والإستشارات العاطفية، ولكن كان هذا الأمر جديد علينا، فطلبنا منه، إنه وزملائي أن نأخذ منه ما يفيض به قلبه العامر بالنشوة، فقام بإبتزازنا لنشتري له علبة سجائر LM blue وبعد ذلك جلسنا معه في الكافتيريا، بالقرب من مضيفة الجامعة، وذلك التمثال الذي أظنه لمرأة رومانية تحمل على رأسها إكليل من الورود. فأشعل سيجارته ونفخ الدخان في الهواء وحدثنا قائلا "لازم تعرفوا يا ولاد إن فيه حاجة إسمها الـEye Contact يعني لغة العيون وتواصلها... لأن العلاقة والجنس دا فـن... مش زِب في كُس ومات الكلام... في أول تعارف بتحاول تخلي عيونك تبعت لعنيها رسالة.. وتستنى منها الرد.. سواء في وقتها أو يتأخر شوية... لو الرد بالإيجاب تتشجع وتروح وتاخد خطوة وتتكلم... لكن لو بالرفض... حول عنيك لمكان تاني.. ويا دار ما دخلك شر.. وكفا المؤمنين شر البتاع".

ظللنا مدهوشين منبهرين بهذه الكلمات، والتي كانت المرّة الأولى التي نسمع بها وعنها في حياتنا، فأغلبنا ومعظمنا طلبة مكبوتين بحكم البيئة والتربية وقلة مدخلات الوعي وتنوع الخبرات، فطلبنا منه التوضيح أكثر، فأخرج سيجارة أخرى، فأخذتها منه، فأخرج غيرها فأخذها صديق آخر، فصرخ مصطفى "عزومة إييه دي يا ولاد الوسخه.. أنتوا جايبينلي العلبة تشربوها إنتوااااا!؟"، وضحكنا جميعًا، ثم صمت هو أولا، فصمتنا، إعلانا لإستطراد حصة الحديث الجاد بيننا. 






فقال بنرة المُعلم الخبير ببواطن الأمور "يعني إحنا قاعدين دلوقتي في الكافتيريا... كم بنت قاعدة لوحدها حوالينا... 8 صح.... أقدر بنظرة واحدة أعرف لكم... من فيهم اللي مزرجنه ولخمة وما تجيبش سكة.... ومين اللي مرتبطه أو مرافقه... ومين اللي هيجانه ومكسوفة ومستنية على اللمسه ... ومين اللي نازلة تشقط وعندها إستعداد.. ومين اللي نازلة تتفرج وتقضي وقت حلو معاك مش أكثر.. ودي أخطرهم.. لأنها بتعتبرك محفظة فلوس مش أكثر.. لا هتقدم لك مشاعر ولا اهتمام ولا حب ولا جنس حتى... بتبقى ماشية بنظرية هلعب لك في زبك بس بلييز خليه ما يوقفش.. تحبوا نجرب.. يلا معاد يا اولاد الدرس العملي"، ثم ظل ينظر في عيون الفتيات من حولنا مباشرة، مطبقًا عليهم نظريته الخاصة، ليضع كل منهن ّفي القالب الذي يرى إنه يناسبها، وفجأة وجدناه قام من على كرسيه، وتحرك بإتجاه أحد الفتيات، وجلس بجوارها على الرصيف، وطبعًا من مكاننا بعيد كانت تأكلنا نظرات الحقد والحسد والسعادة الممزوجة بالفرحة، ونحن نرى مُعلمنا القديس "مصطفى سكس" يطبق وصاياه حرفيًا، ليتحد في ذاته الممجدة الفكر والعمل، والنظرية والتطبيق. 


بعد دقائق من جلوسه معها، رأيناه يُخرج هاتفه المحمول ليحصل منها على رقمها، وقامت هي بكسر قطعة شيكولاته كانت في حقيبتها، ووضعتها له في فمه، ثم أمسك هو بيدها وقبّلها في سعادة، وهو ينظر لنا من بعيد، وكأنه يؤكد لنا صحة معطياته ومقدماته المنهجية. 


ثم قاما معًا متشابكة أيديهما، متجهين لباب الخروج من الجامعة، وحينما مرّ بجوارنا إستأذنها ليسلم علينا ويودعنا، وحينما اقترب قال لنا بسخريته المعهودة "خليكوا مكسوفين كدا.... موتوا بلبنكم... آخركم ضرب عشرات يا عيال يا مرخية.. على الحال دا .. آهي دقني لو حد فيكم شاف كُس في حياته".

مأزق الثقافة الجنسية جـ2




مأزق الثقافة الجنسية جـ2



      من النصائح الجنسية، التي وجهها لنا طيب الذِكر الصديق "مصطفى سِكس" في الصف الأول الثانوي، في الفسحة وما بين الحِصص، أن لا تمارس الحب مع فتاة في بيتها، مهما اقنعتك بكم درجات الأمان والاحتياط والخصوصية، عليك ان تكون في مكانك الخاص، أو في مكان محايد، لأن في مكانها سيتم قتلك بدم بارد لو تم فضح الأمر، وهي نفس الشيء ستُقتل، ولن يصل الأمر للشرطة!!؟، ولكن في مكانك سيعاتبك الجيران بالحُسنى ليس أكثر وهي ستخرج من المنزل من سكات، ولو في مكان محايد خلي روحك على كفّك وغُب على دين أبوهم. وحينما سألناه من أين اكتسب تلك الخبرة، نظر من نافذة الفصل قليلا ومرت بعينيه نظرة حُزن، ثم استطرد قائلا "كنت بظبط مع أبلة أمل بتاعت الرسم... وتكّه خريجة فنون جميلة وهي جميلة ووراكها شبه القُلل.. ولسه زوغننه 23 سنة والشهوة غلباها... وأنا طالب 17 سنة وبالغ ومكتشف نفسي وقدراتي... قربت منها ولمّحت لها بعد الحصص مرة بعد التانية.. لحد ما السنارة غمزت وقلبها مال... وعرفت انها متجوزة واحد شِنف ما تستحملش دين أمه.. وبيرجع مهدود من شغله يترمي ينام زي الجاموسه... جواز فلاحين وغصب ومصاهرة عائلات وشركات وبتاع... روحت لها البيت على أساس إني باخد درس.. والحياة حلوة... مرة والثانية والثالثة... وهي بتاخد منع الحمل ومظبطه الأمور... لحد ما في مرّة.. وهي المرّة المشئومة... باب الشقة خبط... وطلع سي السيد... وأنا مدّفسه جوا لآخره... طلعته بسرعة لدرجة إنه نام من الخضّة... وبقيت مش عارف آروح فين وآجي منين... قامت هي اتلفت بالفوطا وبلت شعرها بسرعة وكأنها كانت بتاخد دش... وانا نطيت في المَنور نص عريان... وفضلت في المنور بيضاني بتتجمد من البرد في الدور الثالث.. والعمارة 7 أدوار... لا عارف أنزل للأرضي... ولا عارف اطلع للسطح... لحد ما صَبح الصُبح والخروف راح على شغله... وطلعتني... اخدنا دُش وفِطرت من إيديها.... ورزعتها واحد الوداع".


مأزق الثقافة الجنسية



                            مأزق الثقافة الجنسية



     في المرحلة الإعدادية، وفي الصف الثاني تحديدًا، تلقيت أول درس جنسي في حياتي، لم يكن من الأستاذ المُدرس أو من الأسرة، بل كان من أحد زملائنا الطلبة، من نفس عمرنا أو أكبر قليلا، حيث تطوع - مشكورًا- وأخذنا لمنزله لنشاهد بعد الدرس فيلم بورنو إيطالي، وكان زميلنا هذا، وقد أطلقنا عليه إسم "مصطفى سِكس"، قد عرف المكان الذي يُخبأ أخوه الكبير فيه شريط الفيديو، فحصل عليه لنشاهده ثم يعيده لمكانه مجددًا في سرية تامة!!. اتذكر حينها التوتر والرعشة الخفيفة التي انتابتني، كما انتابت الطلبة من حولي، مع أول لقطات الفيلم، وتحديدًا حينما رأينا العضو الانثوي لأول مرة، نعم في الصف الثاني الإعدادي كانت المرّة الأولى التي نرى فيها هذا الجزء المُقدس بكامل بهاء مَجده وتفاصيله على الشاشة الفضية أمامنا!!، تلك التجربة التي اعتاد علماء النفس السلوكي بتسميتها "صدمة الكُس"، شعرتُ حينها بسخونة تسري في جسدي بدءًا من رأسي لتستمر في الحركة لتستقر فيما بين ساقيّ، لتؤدي لإنتصاب غريب هو الأول من نوعه من حيث الوصول بعضوي الصغير عمريًا لهذا الحجم من الإمتداد، مما سبب لي الحرج وسط أصدقائي الذين لمحوا هذا التطور من أسفل بنطلوني القماش الرصاصي.



       بعد إنتهاء الفيلم، والمرور بمراحل متكررة عضويًا بين الإنتصاب والإرتخاء وفيض السوائل الشفافة اللاإرادية، وقف صديقنا قبالتنا وظهرهِ للشاشة التي ثبت عليها أحد مشاهد النهاية، ليقوم بشرح ما جاء في الفيلم؛ حيث كان هناك الكثير من الأمور غير واضحة لنا، فقام – مشكورًا مجددًا – بتوضيح الأوضاع الجنسية وأيهم أكثر راحة للمرأة وسعادة للرجل، وقواعد التسخين والتهيأة والمداعبات الجنسية للإستعداد قبل وأثناء وبعد اللقاء الحميمي، ليكون له ذكرى مُحببة للطرفيّن!!؟. كل هذه المعلومات حصلنا عليها ونحن في الصف الثاني الإعدادي!!؟. وطبعًا كان أغلبها إن لم يكن جميعها معلومات مغلوطة بحكم السِن المبكر وقلة الخبرات، وعدم أكاديمية المصدر الذي ننهل ونتشرّب منه معارفنا!؟.

    ثم جاءت المرحلة الأخيرة من الدرس، وفيها قام صديقنا – مشكورًا للمرّة الثالثة- بالنظر لنا نظرة المعلم الحريص على مستقبل تلاميذه ويحاول جاهدًا أن يعطيهم المنهج بخيره، خوفًا من أن نقتص منه يوم القيامة لبخله علينا كطالبي عِلم!؟. وأخبرنا إنه سيوضح لنا إختبار الرجولة، ليعرِف كل شخص فينا هل بإمكانه التخصيب عند الممارسة أم لا، "يعني كل واحد فيكم لازم يعرف فيه لبن... ولا لسّه ما بيحلبش"، ثم فتح سوسته بنطلونه، وأخرج قضيبه، الذي كان يشبه خرطوم الغسالة العادية في تقوسه، والذي أدهشنا جميعًا حجمه مقارنة بما لدينا، مما دعا أحد الطلبة ليسأله مندهشًا "إنت زبك كم سـم آطيفاااا؟!"، فيرد مصطفى بكل سخرية "بص.. هو 16 سـم من غير الكشكشا والثنيات". وأمسك مصطفى بعلبة الجيل من على الحوض، ومارس العادة السرية أمامنا،"هضرب عشره... وأجيبهم آهوو.. ركزوا يا اولاد"، في البداية لم نفهم ما الذي يقوم به!؟، هل يقوم بإطالة العضو بهذا الشّد والجذب وحركة اليد صعودًا وهبوطًا أو محاولة عَدلِه أم يهرش فيه ببساطة!؟. ولكنه وضّح لنا إنه تمرين لتنشيط عضلات وأعصاب العضو الذكري، بإفتراض أن اليَد عضو أنثوي في مدى انغلاقه وضيقه على القضيب؟!. ثم طلب منا مصطفى بسرعة أن نبتعد للخلف قليلا، فقام بقذف سائله المنوي ليغطي ببياضه جزء ليس بصغير من السجادة!!؟. ووقتها ظللنا مندهشين نتأمل هذا السائل الذي يشبه ما رأيناه في الفيلم منذ قليل، ولكن لم نلمسه أو نقترب منه، وتأملنا تنهيدات وتأوهات مصطفى الذي ارتخى عضوه بعد الإنزال وأدخله في جحره من جديد وأغلق عليه، وإبتسامة النشوة تعلو وجهه، وهو يقول لنا بهدوء "كل واحد فيكم يعمل كدا أما يروح البيت... وبكرا طمنوني عليكم في الفُسحه أو ما بين الحصص".


نافورة أبدية الوعي


نافورة أبدية الوعي


     للأسطورة سحرها، ومهما مرّ الزمان، يعود لها الإنسان، من وقت لآخر، لينهل منها ويستخرج من عُمقها بعض المفاهيم، مرّة ليفهم بها غيبيات واقعه، وقد ينتقدها موضحًا أثرها المستمر في حياته، وأخرى ليتجاوزها بأسطورة أخرى أو عِلم حلّ محلها. من هنا تأتي أهمية فيلم "النافورة" The Fountain  سيناريو وإخراج دارين أرنوفيسكي 2006، والذي لعب بطولته وجهيّن من ألمع الوجوه السينمائية هما؛ هيو جاكمان Hugh Jackman في دور تومي، ورتشيل وايزس Rachel Weisz في دور إيزابيل.  

ربما يختلف الفيلم عمّا سبق وشاهدناه من أفلام تناقش مفهوم الأسطورة وأثرها، وقد يرجع إختلافه لعدة نقاط؛ منها إنطلاف الفيلم من جذر قصصي خيالي مغلف بالدين، متفق عليه نسبيًا في الأديان الإبراهيمية الثلاثة وبعض أساطير الحضارات القديمة (حضارة المايا)، وهي فكرة تقديس شجرة معينة، هي شجرة الحياة، التي كل من يأكل منها لا يرى جسده الموت أبدًا، وتم معالجة الفكرة، من وجهة نظر المخرج، دون أي إسقاط أو مساس بأي عقيدة بشكل واضح، مما أعطى الفيلم ثُقل دلالي رمزي.    

السرد في الفيلم، ليس سرد تتبعي خَطِي، بل تسير القصة على ثلاثة مستويات، في تنويعة جمالية بين الماضي والحاضر والمستقبل؛ بنفس الأبطال، وربما نفس الأسماء، ونفس الرموز والدلالات، ولكن يختلف الوسيط المستخدم بحسب سياق الظرف المكاني والزماني؛ فنشعر وكأننا ثلاثة أفلام لنفس القصة.

في الماضي؛ نرى "توماس" الفارس الأسباني الذي يحاول القضاء على الفساد الذي دبّ في الكنيسة بسبب سلطوية رجال الدين وقمعهم لأي صوت مخالف مختلف، وإستمرارهم في عمليات الإبادة التي يشنوها على الطوائف الأخرى، بل تطاولهم على الملكة نفسها وتهديدها بنزع العرش منها، ونرى الملكة "إيزابيل" تعطي الفارس الوعد بالزواج منها، إذا وجد شجرة الحياة وأتى لها بإكسيرها، وتعطيه خاتم ذهب كعهد بينها وبينه، فيذهب الفارس في رحلته إلى الأراضي المقفرة النائية، في أمريكا الجنوبية، حيث حضارة المايا، ويدخل في صراعات دموية هناك، وفي النهاية يجد شجرة الحياة، وحينما يأكل منها، يتحول هو نفسه إلى شجرة بجوارها.


في الحاضر؛ نرى "تومي" الطبيب الذي يقوم بالأبحاث على أنسجة أحد الأشجار النادرة التي يستخرج منها أمصال وأدوية، ويعتقد أنه سيجد فيها علاج لزوجته "إيزي" المصابة بالسرطان، والتي تقوم بتأليف رواية عن حضارة المايا ونجم الشيبالبا مركز بعث الأرواح، والرواية بالمناسبة تحمل نفس إسم الفيلم، وتحكي فيها عن بحث الفارس "توماس" عن شجرة الحياة في الأراضي المُقفرة. وتستمر "إيزي" في محايلة زوجها ليجلس بجوارها في لحظاتها الأخيرة، وتذكره أن خاتم زفافهما هو الرابطة المقدسة التي ستحفظ حبه لها، ولكنه يتركها ليقضي ساعات طويلة في المعمل باحثًا عن العلاج، ويستمد تشجيعه كلما نظر إلى الخاتم، ويرى أنه اقترب من الكشف، ولكن زوجته تموت دون أن يصل إلى العلاج الذي يساعد على شفائها، ويفقد الخاتم في المعمل، فيظل أثر الخاتم في إصبعه والرواية هما ذكراها الوحيدة.

في المستقبل؛ في مكان فوق النجوم، داخل فقاعة شفافة معلقة في الهواء، نرى "توم" حليق الرأس في زي راهب، يمارس التأمل في حضرة شجرة الحياة الآخذة في الذبول ولا يعرف كيف يوقف موتها البطيئ!!؟، تلك الشجرة التي يأكل ويشرب منها وتساعده على إستمرار حياته التي هي حياتها. 

يلعب المونتاج دوره المميز، في ربط الفترات الزمنية بحرفية دلالية، ليعطي الفيلم معناه، نشاهد ذلك أثناء تقبيل الفارس ليد الملكة الخائفة على عرشها، يتقاطع مع صورة يد الطبيب أثناء ملامسة جسد زوجته المريضة وتقبيلها، ويتقاطع مع صورة تقبيل الراهب للشجرة الذابلة، في مشهد غاية في الرمزية. كذلك عندما توصي "إيزي" زوجها الطبيب بإكمال كتابة الرواية، وحينما يبدأ في قراءتها، يكتشف إنها كانت تقصد نفسها بالملكة، وهو الفارس الباحث عن شجرة الحياة "العلاج"، فيدخل "تومي" في حُلم طويل، ليرى نفسه هذا الفارس، وكلما استيقظ يعود لإكمال جزء من الرواية.

    الثلاث مراحل، هم في الحقيقة مرحلة واحدة طويلة، هي إستمرار الوعي الإنساني الأبدي، في محاولته المستمرة للتصالح مع فكرة الموت وتقبُلها، لمعرفته وثقته أن هناك خلود ينتظره. الزوجة ترى نفسها ستذهب لسديم الأرواح في السماء الذي تنبأت به حضارة المايا " نجم الشيبالبا" وتراقبه يوميًا من شُرفة منزلها بالتلسكوب، والراهب الذي يستمد حياته من شجرة الحياة، ويحفظها من الذبول بحبه لها وتماهيه فيها. والفارس الذي تحول هو نفسه إلى شجرة بجوار شجرة الحياة ليكتسب الخلود بخلودها. لنصل في آخر الفيلم لفكرة أن الموت ليس هو النهاية، ولم يكن هو النهاية، بل بداية لحياة أخرى.

    ولا ننسى أن موسيقا "كلاينت مانسيل" كان لها بصمتها التي لا تُنسى في الفيلم، والتي ستظل تتردد في عقلك مرات متكررة بعد إنتهاءه. والتي تعلو وتهبط في لحظات المعارك، وتجذبنا لعمق المشهد.


عدو العلمانية الأول



  عدو العلمانية الأول

     الوضوح والبداهة، آلية فكرية، حاول من خلالها ديكارت أبو العقلانية الفرنسية، بيان المقياس النسبي المباشر لتقّبُل وفهم أي ظاهرة وموقف، ولكن حينما تتعقد بعض المواقف التي نواجهها في حياتنا اليومية، نحتاج لآليات فكرية آخرى تمكننا من المُضي قدمًا للإمام. ولأن الواقع نسبي متغيّر مُعقد، فلابد من آليات أكثر إحكامًا ومنطقية، تخضع للمراجعة والنقد والتطوير بشكل دوري، لا يقبل أي دوجما أو تقديس، فكان لابد من اللجوء للإستنباط والقياس والإستقراء وفهم المغالطات المنطقية كأدوات إسعافات أوليّة قبل إتخاذ أي قرار.

والعَلمَانية، بما هي فصل للتداخل والتدخل القسري بين الدين والسياسة، ليبقى كل منهما في مكانه الصحي والصحيح؛ موقف وقرار، سيتوقف عليه حياة مجتمع بأكلمه، وكذلك سيتوقف عليه بالضرورة الشرطية الطردية، رزق الكثير من المنتفعين بدوام التغييب والجهل والإستحمار. فعلمنة المؤسسات وتوجهات الفرد، سيؤدي لفضح الكثير من الممارسات التي تتم من باب الشعوذة والدجل والإرجاء الماورائي.

وللتملص من تلك المواجهة الفكرية، بين الدين والعلمانية، لجأ أغلب رجال الدين والسياسة، لخدعة منطقية، ربما تُعد هي العدو الأول للعلمانية، ألا وهي "آلية التجاور الفكري" والتي من خلالها يمكنك قبول الفكرة ونقيضها في آن واحد، بكل أريحية ورحابة صدر، بل وستجد لنفسك مبررات كثيرة، للرد على كل من يثبت لك زيف ما أنت عليه، وستخدر عقلك بشعارات المرونة وتقبل الإختلاف والحريات أن لزم الأمر. ووضعوا بجوار هذه الآلية آلية أخرى لا تقل في خطورتها وهي "آلية الإنتقاء المعرفي" والتي من خلالها تتعامل مع الظاهرة/الموقف موضوع البحث، من باب إختيار ما يناسب ويدعم موقفك ورأيك وفكرك فقط، مع تجاهل الأراء الأخرى التي من حقها أن تبين تهافت حجتك. وطبعًا هاتين الآليتين لا تصمدان أمام أي مراجعة شخص دارس للمغالطات المنطقية ويعي كيفية تفكيك الموقف/ الظاهرة وردها لعناصرها البسيطة المكونة لها.

والأمثلة على هاتين الآليتين كثيرة، نذكر منها موقف بعض العلمانيين وضيقهم من قرار أوباما لأنه يفصل ما بين مذابح داعش والخطاب الديني الإسلامي، وهو نفس رأي الممثل بيَّن أفليك، فهنا تجاهل المُطلع على الرأي، أنهما –أوباما وأفليك- شخصيات غربية لغتها الإنجليزية وتتعاطي نسخة الإسلام المتسامح الـ Soft ، والذي يستحق الدهشة فعليًا هو نفس الموقف الفصلي في القضية، والذي أتخذه كثير من غلمان الإسلام الوسطي، بيد أنهم يسمعوا خطب الجمعة المحرضة أسبوعيًا، وحضروا بأنفسهم مسيرات لمحاصرة كنائس وبيوت بهائيين وذبح شيعة ومطاردة ملحدين في الإعلام والصحف الرسمية كل ذلك في وضح النهار.

 كذلك يظهر عمق ضحالة العمل بهاتين الآليتين (التجاور والإنتقاء المعرفي) في ذلك الحدث المتكرر المضحك والمخجل والمدهش، حينما تجد شخص مسلم على قناعة تامة إن الرسم والتصوير حرام شرعًا، ولكنه لا يتردد أن يستشهد بصورة للعذراء مريم كدليل على صحة وجود الحجاب!؟، وذلك المسيحي الذي يحاول البرهنة على صحة الكتاب المقدس ومعجزات المسيح، من خلال اللجوء لآيات قرآنية هو يُسلم مسبقًا بتحريف كتابتها ومصدرها!!؟.

الإنتقاء لا يصنع معرفة، والتجاور شجرة بلا ثمار. الوهم المقدس سيظل مسيطر على العقول بلا أي تقدم يُذكر طالما ظل الإنسان مستسلم لكهفه الدافيء المظلم. ولكن شمس التنوير النقدي مازالت قادرة على بعث الحياة من جديد في تلك العقول التي يبست وتحجرت.



الموظف المصري.. رعب لا ينتهي



الموظف المصري.. رعب لا ينتهي
  
      صباح اليوم، بدأت رحلتي في إستخراج وثيقة أصل من "قيد عائلي مميكن"، وطبعًا كنت فطسان من الضحك على كلمة "مميكن" دي، ولكن ضحكتي اختفت بعد اللي شوفته من ويلات الموظف المصري، مع العلم أن القيد مش لي أنا، ولكن لأن أخي مطلوب منه إستيفاء ورق التجنيد الخاص به، وأنا خدتني الحماسة أني اساعد، وحبيت اظهر في صورة الأخ المعطاء المحب المضحي الخدوم إلى آخر عبارات صلة الرحم وبر الوالدين وماما زمانها جايا جايبة لعب وحاجات، أولا ذهبت لقسم شرطة إمبابة، وهو القسم الخاص بمحيطي السكني، ولكن اكتشفت ان القسم مسؤل عن الفيش والتشبيه، العادي والثلاثي، بالتالي طلبي لم يكن من هناك، ولكن أخبرني الموظف أن اذهب إلى السجل المدني، فلبيت النداء وذهبت للسجل المدني، ونفس الحكاية كانت مهمة السجل استخراج شهادات الميلاد والوفاة وأوراق البطاقة الشخصية فقط، والموظف طلب مني الذهاب إلى "مصلحة الأحوال المدنية / وزارة الداخلية"، وحينما سألته بعفوية "هي فين مكانها!؟"، أخبرني بحدة أن انزل للسؤال في الاستعلامات!!؟، وعرفت من الاستعلامات أن مقرها في منطقة "القومية/ القنطرة الأولى/ إمبابة"، فركبت توك توك من القسم إلى هناك.




    وكانت المفاجأة، والتي كنت اتوقعها ولكن فاق الواقع المباشر جماح خيالاتي، أن الناس، رجال ونساء وأطفال وشباب، عاملين طوابير ثعبانية بطول الشارع من الاتجاهين أمام المصلحة، بعضهم حضر لإستخراج شهادة الميلاد، وشهادة الوفاة، أو لاستخراج البطاقة الشخصية، أو تجديدها، او بدل فاقد، وبعضهم -وأنا ومنهم- لإستخراج القيد العائلي، بعضهم افترش الارض من التعب ومعه ساندوتشات للفطار، وفيهم من احضر كرسي بلاستيك ليجلس عليه في الطابور لمعرفته بطول وارهاق الانتظار، وفيهم من يجلس على الموتوسكيل الذي حضر به، وفيهم من يجلس على المقهى على الرصيف المقابل يدخن الشيشه ويشرب الشاب والقهوة، ويراقب تحرك الطابور حتى يحين دوره!!؟. بقيت واقف في الشمس اللذيذة، والتي كانت تعطي اشعتها وحرارتها بسخاء لا تحسد عليه، لحد ما العرَق حسيت بحركته في كل اجزائي، من الساعة 10 صباحا: 1.25 ظهرًا، وحينما دخلت المكتب ووصلت إلى شباك الموظفة المختصة، وهبدأ كلامي اقول لها المطلوب، لقيتها بتجاوب بحركة آلية متدربة عليها "عشان تعمل القيد.. لازم يكون معاك شهادات ميلاد اخواتك كلهم أصول، وصور بطايقهم، وشهادة وفاة والدك ووالدتك"، طبعًا محاولتش أوضح لها أن والدي فقط هو من توفاه الله، بينما والدتي الجميلة حية تزرق وحسها بالدنيا ولسه جايبين لها قطة تملا عليها فراغ وقتها، وقلت لها "حضرتك أنا معايا صورة من القيد، وفيها الرقم المسلسل ممكن تكتبيه على الكمبيوتر وتستخرجي الورقة على طول... أنا محتاج نسختين"، فوجدتها تنظر لي وكأني أهنتها وسألت وهي بتعلي صوتها "نسختين تعمل بيهم اييه... فهمني عاوزين نسختين من القيد ليه!؟"، تصرفها حسسني أني بطلب منها تقسيم الميراث بتاع أبوها أو إنها هتعمل لي حاجة ببلاش أو أن دي وثائق سرية ممنوعة الاطلاع عليها أو أني عاوز خريطة الكنز المدفون في خورم الجبل، فقلت لها "حضرتك أنا وأخويا بنخلص ورق الجيش... ومطلوب نسخة أصل في كل دوسيه"، فالموظفة لزيادة التعطيل وتضييع الوقت وحرق دم الناس اللي واقفة في الشمس أمام المصلحة، طلعت نظارتها وضيقت نظرة عينيها بكل تناكة وشموخ، ومطت شفايفها وكأنها خبيرة بوكالة ناسا لأبحاث ودراسات محاصيل الملوخية، وقرأت من الصورة اللي قدمتها لها تواريخ ميلاد أخواتي وبتقارن بين السنوات الفاصلة بيني وبين أخواتي، عشان تتأكد أني صادق في طلبي وأن نسخة القيد العائلي مش هاخدها افجر بيها قناة السويس الجديدة أو هقايضها بالغطاء الذهبي لاقتصاد مصر من البنك الدولي.
         
      وفي النهاية دفعت الرسوم المطلوبة، وهي 11 جنيه للنسخة، فقدمت للموظفة 25 جنيه، فضحكت بسماجة وقالت "انت عاوز 3 جنيه باقي... ومش معايا فكة فضية... تاخد تطلع تفك الـ 5 جنيه دي من براا"، طبعًا هي عارفة كويس أني لو خرجت مش هعرف ادخل تاني إلا بعد 3 شهور أصلا، بسبب الزحمة المرعبة اللي براااا، والشمس وتعصب الاعصاب، ولان معروف الحركة دي، انها بتبقي الفلوس كدا من الجميع، كاقتصاد موازي لذيذ تعمل لها منه في اليوم مثلا 500 جنيه أو اكثر، وقلت لها "حصل خير... مش عاوز الـ 3 جنيه"، وخرجت من المصلحة وعلى عيوني لمعة حياة وكأنني طفل أعادوه إلى أبويه.




بالشفا يا فيلسوف



                            بالشفا يا فيلسوف

    أحمد طالب جامعي، شاب زي أي شاب، ولكنه حاول يكون متميز ومختلف عن اللي حواليه، بالتالي ذاكر واجتهد وفضل نازل حرت في المناهج لحد ما اتخرّج بتقدير عالي، واتعيّن في نفس السنة معيد، في كلية آداب قسم فلسفة. وبعد امتحانات الترم الأول، اللي شارك في تصحيح الأوراق بتاعتها لأول مرة، مع الدكتور المُشرف على رسالته، كان حاسس فعلًا إنه بيقدم حاجة للمجتمع وفيه تغيير هيحصل قريب من خلال شغله وتخصصه اللي ناس كثير بتهمله وتقول مالوش لازمة.

    يوم السبت بالليل، وهو أحمد في بيتهم نايم وسط أسرته، فوجيء بموبيله بيرن الساعة 3 الفجر!!؟، طبعًا اتفاجأ وتوقَّع يكون المُتصل بينقل له خبر زي الزفت، طالما مكالمة في وقت زي دا!!. وفضل يستعيذ من الشيطان ويقول بشكل متكرر "جيب العواقب سليمة يا رب.. واللهم اجعله خير"، طبعا كل دا والتليفون عمال يرن ويزعج في دين أم الناس اللي نايمين معاه في الشقة. في الآخر رد على الموبيل، لقى صوت الدكتور المشرف على رسالته بيزعق فيه وبيقوله "قابلني يا أحمد عند باب الجامعة الرئيسي دلوقتي حالا... فيه مصيبة حصلت"، وقفل بعدها السكة على طول!!؟. استغرب أحمد من اتصال أستاذه بيه في الوقت دا، خاصة أن مكالمته مُبهمة ومش واضحة، واللي وتره أكثر إنه عاوز يقابله عند الجامعة!؟، وعقله فضل يودي ويجيب؛"يا ترى إيه اللي حصل بس!؟، هل الدكتور عاوزنا نتقابل في وقت زي دا عشان نصلي الفجر سوا!؟.. مظنش دا ما بيركعهاش أصلا.. هل داخل على نوبة اكتئاب وقبل ما يدخل في قوقعته المحببة حابب يوصيني وصية!؟.. مظنش دا دكتور سخيف وما بيحسش أصلا لا بحزن ولا فرح!؟.. يمكن عاوز يقرب مني اكثر عشان تلميذه الوحيد اللي بيحضَّر معاه، وهياخدني ونسهر في أي كباريه في شارع الهرم؟!.. على الأقل كان طلب يقابلني في الهرم على طول أو في موقف مكيروباصات الجيزة!؟.. ولكن اختيار الباب الرئيسي بتاع الجامعة أكيد له مغزى!؟؟.. طيب هقولهم إيه في البيت عندي هنا وأنا نازل.. أمي عمرها ما هتصدق إني رايح أقابل الدكتور في وقت زي دا!؟".. فضل أحمد يكلم نفسه بالشكل دا وهو بيلبس هدومه، وبعد ما جهز ووصل للباب ونازل خلاص، دخل على أبوه وأمه أوضتهم وقال لهم "أنا نازل أصلي الفجر وهقعد في المسجد شوية اقرا مع بعض الإخوة"، أمه مكدبتش خبر وصرخت فيه وقالت له "هبلغ عنك وأقول إخوان... من امتى وانت بتصلي ولا بتقرا في كتاب ربونا يويسخ!؟"، ولكن أحمد طلع نبيه ووضح لها وقال "ما تقلقيش يا ماما الحاجَّة.. أنا في مسجد سلفيين مش إخوان"، فالأم قلبها ارتاح ودعت له يروح ويرجع بالسلامة، ويدعي لها كمان.

*أمام الباب الرئيسي / جامعة القاهرة*
سيارة الدكتور قدام الباب، والدكتور واقف متوتر وعرقان في عز البرد، وبيبص في ساعة موبيله بانزعاج... شاف أحمد جااي عليه من بعيد، قام مزعق فيه "انجز يا أحمد .. مقدمناش الليل كله... مِد شوي بالله عليك"، وقبل ما يرد أحمد أو يسلم عليه أو حتى يحاول يفهم منه إيه اللي بيحصل، لقى الدكتور بيمسكه من إيده ويمشي معاه بخطوات سريعة ويدخلوا من باب الجامعة، واللي كان مفتوح في وقت زي دا!!، ويتجهوا ناحية المبنى الجديد في كلية آداب!!. ولسه أحمد هيحاول يسأل تاني، لقى الدكتور بيقول له "فيه طالب إبن حد مهم قوي في البلد إنت صححت الورقة بتاعته غلط وشيلته المادة.. والطالب قدم التماس لأنه واثق إن إجابته صح.. وأبو الطالب اتصل بيا وبيهددني انه هيقلب الدنيا لو ابنه سقط.. الموضوع لو اتعرف للإعلام يا أحمد هيبقى فيها رفد ليك وترقيتي هتتأخر... وآديك شايف السوشيال ميديا مش سايبة حد في حاله... أنا عارف اني صحيتك من احلى نومة.. بس الموضوع مكانش ينفع يستنى للصبح". حاول أحمد يستجمع شجاعته ويهدي نفسه ويسأل الدكتور سؤال "إيه اللي نقدر نعمله دلوقتي يا افندم؟!"، جاوب الدكتور من غير ما يبص له "دي مشكلتك ولازم تصلحها.. هتدور على ورقة الإجابة دلوقتي وتعيد تصحيحها حالا.. بينا على الأرشيف في الدور الأرضي". نزل أحمد على السلالم مع الدكتور، اللي كان بيجره من إيده زي البهيمة، وفوجيء أحمد أن أحد الفراشين موجود في وقت زي دا على باب الأرشيف، وعينيه غالبها النوم، فتح لهم باب الأرشيف ونور لمبة واحدة بس، لأن الدكتور طلب منه كدا، لأنهم كانوا خايفين حد يعرف هم رايحين الجامعة في وقت زي دا يعملوا إيه. 



*في الأرشيف*
أحمد قاعد وسط عشرات الكراتين المفتوحة، وبيخرَّج ورق إجابات منها على الأرض، وعارف إنه حرفيًا زي اللي بيدور على إبرة في كوم حمادة، خاصة إن إسم الطالب ثنائي، والدفعة فيها 800 واحد!!؟. ولو على الترتيب الأبجدي، دا بيكون في وقت إخراج الشهادات، وقليل أما بيحصل في تخزين أوراق الإجابات وأرشفتها.


   صوت العصافير بدأ يتسرب لودان أحمد، فعرف أن الساعة عدت خمسة، يعني بقاله ساعة ونص قاعد على الأرض بيبحث عن الورقة المفقودة!؟. فجأة باب الأرشيف خبط بشكل هستيري، اترعب أحمد، والدكتور جري على الباب يفتح يشوف مين، لقاه رئيس القسم داخل ومتوتر وبيسأل الدكتور "قللي إنكم لقيتوا الورقة... الموضوع خطير وفيه تهديدات بتعقب أُسرنا وتصفيتهم لو الطالب دا سقط.. إنتوا متعرفوش دا ابن مين في البلد؟!"، وبعد ما قال الكلمتين دوول، نظر رئيس القسم لأحمد نظرات كلها إحتقار وتعَالي، ورفض يسلم عليه اما أحمد حاول يقوم ويمد له إيده، "مش وقت سلام يا أخي... اترزع كمل بحث عن الورقة عشان نخلص من أم المصيبة دي". اتحرج احمد جدًا وحس بشريط حياته كله بيعدي قدام عينيه، وفضل يفتكر ايام مذاكرته ومناقشة خطة الرسالة، ومناقشة الرسالة مع أستاذه ورئيس القسم، حس إن خلاص مستقبله المهني كله ضاع، وتخيل صدمة مامته لو عرفت، ممكن تموت فيها، دا إذا ما اتشليتش قبلها وجاتلها أزمة القلب والسكر والضغط، ومش بعيد تبول لا إرادي كمان!!.
   
  "لقيتها... لقيتها... لقيت الورقة بتاعت الطالب"، صرخ أحمد بالجملة دي، وجري عليه الدكتور ووقف قدامه، وفضل رئيس القسم واقف من بعيد باصص لهم، فتح أحمد الورقة عشان يعيد تصحيحها ولسه هيطلع القلم من جيبه، لقى جواها جواب أبيض مقفول؛ كان شكله مستطيل، مكتوب عليه على اليمين فوق "وزارة التعليم العالي / جامعة القاهرة / كلية الآداب / قسم الفلسفة"!؟، بص أحمد للدكتور باستغراب، وهو مش فاهم حاجة من اللي بيحصل حواليه!؟، فلقى الدكتور إبتسم وقال له "افتحه يا أحمد... متخافش"، بهدوء فتح أحمد الجواب وهو إيده بتترعش ومتوقع هيكون جواب رفده، ولكنه لقى جواه كارت ملون، بيفتح أحمد الكارت لقاه عمل مزيكا مبهجة وصوت انثوي بيغني "Happy Birth day to you"، وفجأة رئيس القسم رفع الزراير بتاعت الكهربا ونوّر الأرشيف كله، فشاف أحمد كل دكاترة قسم الفلسفة ملمومين حواليه ولابسين طراطير ملونة وماسكين بلالين على شكل ميكي ماوس، واستغرب انهم إزاي كانوا واقفين حواليه طوال الوقت ولكن مكانش واخد باله إنهم موجودين في نفس المكان!!، ولسه جاي يقوم من على الأرض لقى رئيس القسم جاي ناحيته، وشايل طورطا عليها شمع ملون كثير، ومبتسم إبتسامة طفولية أول مرة أحمد يشوفها من ساعة ما كان في الفرقة الأولى، واما قرب منه قال له "مكنش ينفع تحتفل بيوم زي دا لوحدك يا أحمد".

   من الفرحة أحمد عينيه دمعت، واستغرب إزاي إن رئيس القسم والدكتور المشرف وباقي الأساتذة رغم كل مشاكلهم وخلافاتهم المذهبية المنهجية الإيديولجية المابعد حداثية، اتجمعوا مخصوص عشان تفصيلة صغيرة زي عيد ميلاده، فجأة وفي وسط الضحك والهزار، حس أحمد بشكة خفيفة في مؤخرته، لسّه هيحط إيده مكان الوجع، لقى حد واقف وراه لابس روب أبيض وماسك حقنة 3 سـم وبيقول له "بالشفا يا عم الفيلسوف...إدعكها بقى عشان ما تورمش".