Showing posts with label كلام في السينما. Show all posts
Showing posts with label كلام في السينما. Show all posts

Friday, October 2, 2015

الحرب انتهت.. لكن جراحها مستمرة



الحرب انتهت.. لكن جراحها مستمرة
 

     عن كتاب السيرة الذاتية لإيريك لوماكس "رجل السكة الحديد"، خرج لنا على الشاشة فيلم يحمل نفس الإسم في عام 2013، الفيلم يحكي سيرة ضابط الاتصالات البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية "إيرك لوماكس"، ويعبر بشكل فني عن المعاناة النفسية التي مرّ بها هذا الضابط حينما وقع أسيرًا لدى القوات اليابانية واستمروا في تعذيبه عدة شهور، حتى يُدلي ببعض المعلومات السرية، ولكن لم تنتهِ المعاناة والألم بإنتهاء الحرب ورجوعه إلى وطنه، بل ظلت اشباح وويلات التعذيب ووجوه من قاموا به يطاردونه ليل نهار في كل مكان يذهب إليه، فيقرر السفر لينتقم مَمّن قاموا على تعذيبه، خاصة وإنه اصبح -الآن- يمتلك القدرة والقوة على ذلك، ولكن هل الانتقام يشفي هذه الجروح ويُعيد له سلامه النفسي!؟. 


نرى في الفيلم الممثل "كولين فيرث" بنظرة عينيه المتوترة، وصوته الحاد، وشعره الأبيض المموج، ونظارته الشفافة الخاصة بالقراءة، في دور الضابط "لوماكس" في مرحلة الشيخوخة، وتنتابه العديد من حالات التذكُّر اللاإرادي، العفوي، والذي سرعان ما يتحول إلى نوبة من التشجنات العصبية وكأنه يتم تعذيبه الآن، رغم إنه مرّ عليه أكثر من خمسة عشر عامًا. فتحاول زوجته الفنانة نيكول كيدمان في دور "باتريشيا والاس" معرفة سره وسبب مشاكله، فيبوح لها وتحاول مساعدته، وسرعان ما تحاول البحث في ماضيه، فتعرف إنه مر بفترة من التعذيب الوحشي التي بمجرد تذكرها تنتابه هذه الحالة من الانكسار والضعف والبكاء والصراخ، بالتالي من المستحيل أن يحكي بشاعة لها ما حدث.

وسرعان ما يتوصل "لوماكس" بمساعدة أحد اصدقاءه من الضباط القدامي، إلى مكان الضابط الياباني الذي كان المسئول عن تعذيبه أثناء الحرب، فيقرر السفر والانتقام منه ليذيقه بعض الآلام التي يعانيها ليل نهار. ولكن حينما تأتيه الفرصة لينتقم ويقتل الضابط، والذي أصبح الآن رجل مسن مديرًا لأحد المتاحف هناك، يجد نفسه متردد ولا يريد أن يكون مثل جلاديه، ولكنه غير قادر على الصفح أو المغفرة، فيجلس بجوار الضابط ليسمع منه اعترافه، فنعرف ان الضابط الياباني أيضًا يعاني من نفس الحالات النفسية والتشجنات العصبية جراء ما فعله في الأسرى، وتطارده وجوه قتلاه والضحايا ليل نهار، وإنه حاول الانتحار اكثر من مرة ولكن فشل في النهاية. فيبكي كلاهما وتبدأ صداقة إنسانية راقية قلما تحدث في عالمنا المعيش.



الفيلم حصل على جائزة معهد الفيلم الاسترالي أفضل تصوير في 2015، ويمكننا ملاحظة جودة اختيار الكادرات والمشاهد في عدة لقطات، خاصة لقطات الفلاش باك، حيث نرى "لوماكس" في مرحلة شيخوخته وملابسه الحديثة الخاصة بأيامنا المعاصرة، ولكنه يمشي ومن حوله ضباط يابانيين يرتدون زيّ الأربعينيات، ثم يتحول المشهد ليكون "لوماكس" شابًا كما كان في الماضي، وكأن المشهد يعطينا دلالة عمق الحالة التي مازالت ملازمة له حتى مع تقدمه في العُمر.

وفي مشهد أخر، حينما يزور الضابط الياباني في المتحف، وهو يقف أمام النُصب التذكاري لضحايا الحرب من الجيش الياباني، ليكون رأسه مطابق لرأس ضحية في الصورة الموضوعة خلفه، وكأن الصورة تحدثنا أن هذا الضابط كان يجب أن يموت، أو أنه سيتم قتله الآن ليلحق بمن موجودين في الصورة من خلفه.



"عزيزي السيد لوماكس، اعرف إني عاملتك بوحشية أنت ومن معك، أثناء وجودكم في أحد معتقلات الجيش الياباني، وكنت حينها أتلذذ بتعذيبك وسماع صراخك، وكنت اعتبرك مجرد حيوان بلا قيمة، ولكن هذه كانت الأوامر التي تم تلقينها لي، بالتالي أي تعاطف معك أو مع زملاءك كان يعني قتلي لمخالفة الأوامر المباشرة، لقد مرّ وقت طويل منذ ان انتهت الحرب، ولكن بالنسبة لي مازالت المعاناة النفسية مستمرة، أنا لم أنساك مطلقًا، مازلتُ اتذكر وجهك وذراعيك المكسورين وعينيك المليئة بالصراخ والدموع. فهل يمكنك أن تسامحني.. في وقت ما لابد وأن يتم وضع حدًا للكراهية". هذا نص كلمات الضابط الياباني تاكاشي إلى لوماكس، بعد أول لقاء بينهما والذي كان قد يمكن أن يتطور ليتحول إلى معركة دموية، ولكن انتهى اللقاء بهدوء كما بدأ بهدوء.

ويأتي إسم الفيلم "رجل السكة الحديد" من خلال عشق "لوماكس" للقطارات ومعرفة رحلاتها ومواعيدها وتدوين ملاحظات حولها في مذكرة يحملها في يده، وهذا قد في أفاده في التخطيط للهرب أثناء أسره، حينما رسم خريطة لخطوط السكة الحديد التي تمر بالمنطقة ووضح لزملاءه من الضباط خط سيرها ونقطة البداية والنهاية لكل منها.
ولا يغيب عن المخرج أن يجعلنا نرى في تترات النهاية أبطال القصة الحقيقيين، فنرى صورة للضابط إيريك لوماكس البريطاني، وضابط التعذيب الياباني تاكيشي ناغاسي وكلاهما يبتسم بعد أن بدأت بينهما صداقة إنسانية قائمة على الاعتراف بإحترام الآخر والفهم والحوار بعيدًا عن الدماء والحروب.

Sunday, September 13, 2015

غيرية المقدس والمدنس

كتاب الله

    

       وسط جو ضبابي، يبدأ بحثه عن الطعام، قطة منحولة الشعر ربما تفي بالغرض، انها الكائن الوحيد الباقي على قيد الحياة من حوله الآن. ظل إيلي "دانِزل واشنطون" ساكنا عن الحركة فترة من الزمن، وفي لحظة بحركة خاطفة كان يبتسم لحصوله على وجبة عشاء دسمة.
حرب طاحنة دمرت العالم، لم يُعلن في أي مكان يتم الحدث، فالعالم كله اصبح يحمل نفس السمات، استمر حيا مجموعة من الناس زالت عنهم صفة الإنسانية، يأكلون لحم ويشربون دماء أي كائن يجدونه، والسلاح هو لغة التخاطب التي يفهمها الجميع مهما اختلفت لغاتهم، استبد بهم الجهل ولم يستطعوا القراءة أو الكتابة، إيلي في رحلات تجواله بين البلدان يقابل العديد من قطاع الطرق وسارقي المسافرين، والذين إلى جوار ذلك يبحثون عن كتاب معين، كتاب الله، ولكن إيلي لم يعرف ان بعضهم على وعي بمحتوى وشكل الكتاب الذي يبحثون عنه.
رئيس أحد المدن المحطمة "جراي آولدمان" جنـَّد العديد من المجرمين للحصول على كتاب الله. له منهج في الحياة سينفذه من خلاله. ان كان الناس لا يؤمنون بوجود الله فلا حرج من إيمانهم بالدين، انه ما يعطيهم الرجاء من خلال الإيمان، يعطيهم آمل الانتظار، يعلم انه أحد الأشخاص الباقيين على قيد الحياة الذين يعرفون القراءة والكتابة، لذلك عليه الحصول على الكتاب قبلهم. وسيتم ذلك مهما كلف الأمر. زوجته الكفيفة تستمر في التوسل له ان يعفي الخادمة الصغيرة من مهمة تعقب إيلي ولكن بلا جدوى.
تتعاقب الأحداث بإيقاع سريع مليئ بالدماء، في صراعات بين المجرمون وإيلي للحصول على الكتاب، تتخللها بعض اللقطات العاطفية الهادئة بين الفتاة خادمة زوجة رئيس البلدة التي هربت مع إيلي، والذي يمثل الخلاص لها كما لغيرها من أهل البلدة، ولكن ربما الكتاب هو سر اهميته وليس هو.


 ينتهي الفيلم بصراع بين رئيس البلدة وإيلي، يترك اثناءه كلاهما العديد من الجروح القاتلة على جسد الآخر، ولكن إلى جوار الجروح المميتة فاز رئيس البلدة بالكتاب أيضا، وبعد المزيد من الطقوس والاحتفالات يفتح الكتاب ليجده مكتوب بطريقة "برايل" الخاصة بالمكفوفين، آخر كتاب يحمل كلمة الله ولا يستطيع أحد قراءته، سوى زوجته التي رفضت القيام بهذه المهمة، وإيلي يصل مع الخادمة لأحد المكتبات الضخمة بأحد المدن ويمليهم الكتاب الذي كان قد حفظه من تكرار قراءته.
ورغم امتلاء الفيلم بالعديد من التيمات المستهلكة في السينما العالمية بل والمحلية، فلم يعدم حس المعارك الدموية، والقبلة العاطفية التي تستلزم بالضرورة قصة حب بين البطل وفتاة يزج بها لإكمال الحدث، إلى جوار العديد من تكرار مشاهد الصحاري والوديان الفارغة تأكيدا لفكرة الخواء الفكري والحيوي من العالم، إلا ان فكرة الفيلم تم بلورتها بشكل مميز، كتاب الله، اختار المخرج الشخصيات معبرين بالشكل اكثر من الكلام. الحلول الفردية والأحاديث الثنائية محور الفيلم، تكثيف الحديث والاعتماد على الصورة.  
إيلي الأمل المنقذ الذي ينتظره الجميع لياتي بالنبوة والكتاب المختار ولكنه يخيب الآمال فيحضر بكتاب لا يفهمه أحد إلاه. رئيس البلدة الطمع والرغبة في الملكية والسيطرة بأي طريقة متاحة. الزوجة الكفيفة ترى بقلبها ما لم يره الآخرون تعرف ان إيلي هو المفر للخادمة وان كانت تخشى عليها الضرر من تبعيتها له. الخادمة براءتها وقلة كلامها اعطوها ميزة الصدق والتعاطف معها. باقي الشخصيات من قطاع الطرق والمجرمون لم يأثروا بسير الأحداث إلا من حيث تأكيد الصراع.
والسؤال هو:في عالم انعدمت فيه الثقة والأمان هل يتم استعادتهما بالكلام حتى وان لم يكن له مردود واقعي؟.


مفايتح الدخول إلى الفيلم الرعب

 كيف تُشاهد فيلم رعب!؟


     تتشابه الكثير من الأفكار، واللقطات، والمؤثرات، والأحداث بين أفلام الرعب، قديمًا وحديثًا، أيً كانت جنسيتها، أو مخرجها، أو حتى الشركة المنتجة لها. فتشعر في اللا وعي أن هناك إمتداد لنفس الفيلم، بل تتوّقع ما سيحدث بعد رؤيتك للقطة معينة، رغم أنها المشاهدة الأولى لك لهذا الفيلم أو ذاك، وإليكم بعض النقاط عمّا أتحدث عنه:


المكان:

يكون في منزل مهجور بمكان منعزل نهاية الطريق، يفضل لو يحتوي على بدرون سفلي أو طابق علوي أو كلاهما / مستشفى للأمراض العقلية / سجن لعتاة المجرمين/ مركز للأبحاث السريّة الغير مصرح بها / غابة متداخلة الأشجار / منطقة جبلية نائية / كوكب أو جزيرة مكتشفة حديثًا. يتم الحدث في أحد هذه الأماكن وإلا لن يجد الإقبال المطلوب من الجمهور المتشوق للإثارة.


الزمان:

جو أسطوري لأزمنة غابرة وحضارات ضاربة في القدم، الأيام المعاصرة وستحتاج حبكة أكثر، المستقبل وما ينتظرنا فيه من عالم مجهول نجمله أو نشوهه، تداخل الأزمة والسفر عبرها.



محور الشر:

هجوم متحولون؛ كمصاصي الدماء، مستذئبون، وحوش فضائية (Aliens- predeator)، جماعات موبوءة، زومبي، شخص مختل نفسيًا أو عقليًا ينتقم لسبب ما ويستحسن أن يكون ذو ملامح عربيّة حتى نبرر الحرب المقدسة على الإرهاب فيما بعد، هجوم حيوانات، حشرات، طيور، فيروس أو سلاح مميت أخترعه عالم مهووس يسعى لتدمير العالم.

المؤثرات والثوابت:
  هناك مؤثرات ولزوميّات أساسية ثابتة تشكِّل أعمدة الفيلم الرعب؛ كحركة الستائر والشبابيك والأبواب بما يحدث جلبة وصوت حاد مرتفع، هذا إلى جوار البرق والرعد والعواصف والأعاصير والأمطار وصوت الذئاب طبعًا، سماع وقع أقدام ثقيلة بطيئة في البدرون أو الدور العلوي من المنزل، ضعف الإضاءة وترددها أو انقطاعها المفاجئ، عدم وجود شبكة للهاتف في أي مكان، إنغلاق الباب بمجرد مرور الشخص منه وصعوبة فتحه مجددًا، أي مفتاح لا يعمل في مكانه، في الحمام على الحوض حينما تنحني لغسل يديك وحينما ترفع رأسك تجد إنعكاس الوحش في المرآة، وجود إمرأة عارية ذات صدر مميّز في البانيو وغالبًا يتم قتلها، سحب أحد الأشخاص من ساقيه وبينما يتشبّث بالأرض بأطراف أصابعه وأظافره فيصدر صوت حاد، الإختباء في الدولاب أو تحت السرير، يجب إدخال جانب غيبي في الفيلم كوجود رمز سحري أو ديني أو عبارات غامضة غير مفهومة تكون هي المسؤولة عن الإتيان بالوحوش أو صرفهم أو إضعاف قوتهم.


شخصيات الفيلم:

البطل الأول، غالبًا هو شخص إنطوائي، متجاهل للواقع وما يحدث فيه، لا تظهر عليه آمارات القوة أو الشجاعة، ورغم ذلك يجيد إستخدام برامج الكمبيوتر جميعًا حتى أنه لا يتردد في إختراق أي كلمة سر تواجهه، كذلك يستطيع قيادة كل شيء أمامه من الدراجة وحتى الطائرة الحربية، خبير بفنون القتال، يحتاج أكثر من خمس طلقات حتى يتم إبطاء تحركه وسرعته وليس قتله طبعًا، تقع الفتيات في حبه بلا مبرر.

البطل الثاني: يفضل أن يكون زنجي، صيني، ألماني، روسي، حتى لا يُتهم الفيلم بالعنصرية، هو شخص محب للدماء إنتحاري، ويموت قرب نهاية الفيلم وهو يساعد البطل الأول، أو عندما يحاول إنقاذه.

مساعدون: يفضل وجود شخص مُسن، أو قعيد، أو إمرأة حامل، أو طفل صغير أو كلهم مجتمعين؛ من أجل كسب تعاطف المشاهد وتحميسه للحدث، وزيادة حدة المطاردات، حتى أن أحدهم سيُعطـِّل عملية الهروب في النهاية فيرجع البطل لإنقاذه، ولكن بعد فوات الآوان.

النهاية

تأتي النهاية مختلفة بإختلاف محور الشر في الفيلم، قد تكون بالهروب من الجزيرة أو الغابة أو القرية بعد خسارة عدد لا بأس به من أرواح الطرفين، وقد تكون بتحول الجميع إلى نفس نوع الوحش المُهاجم، وربما بعد التخلص من كل الوحوش وقبل ظهور بيانات نهاية الفيلم، تأتي حركة ما بأحد أركان الشاشة لتعلن أن الشر لم ينته وهناك جزء آخر من الفيلم.


مثليون حول سبارتاكوس

مثليون حول سبارتاكوس


ربما سر شهرة مسلسل سبارتاكوس، والضجة المُثارة عليه وحوله، تكمن في نظرته الإنسانيّة للعلاقات المثليّة بين النساء وبين الرجال، وبيان أنها سلوك طبيعي، وليس "شذوذ" عن فطرة، أو تصرف يستحق إستهجان المجتمع!!، فليس من المعقول  أن يُضطهد إنسان ويتم قتله لأنه إختار الطريقة التي يوّد إستكمال حياته من خلالها.
وفي الحلقة الأخيرة من المسلسل، في الجزء الثالث، تظهر المُفاجأة الغير متوقعة، إذ أنه من بين كل العبيد الراغبين في التحرر والحريّة من جيش سبارتاكوس، لم يبق منهم على قيد الحياة، سوى العاشقيّن المثلييّن "آجرون ونُصير"، وكأن مُخرج المسلسل يبعث لنا رسالة واضحة، مفادها أن العلاقات المثليّة سيكتب لها البقاء والإستمرار، وسينال المثليون حريتهم، مهما تمت محاربتهم ومطاردتهم.
   طوال أحداث المسلسل، لم تنس أي حلقة، بيان وجود المثليين داخل المجتمع الروماني/اليوناني، كشريحة أساسيّة لا يمكن تجاهلها، بل ووسط الشعوب الأخرى؛ كالغال والغجر الرّحالة وغيرهما. وتتجلى عبقريّة المخرج أيضًا، في بيان أن المثليين، لم يكن لهم تجمعاتهم الخاصة، أو مناطقهم السكنيّة المقصيّة، أو زيّ موحد أو شكل خارجي يَعرفون بعضهم به، بل هم بشر أسوياء، كغيرهم، ممارساتهم الجنسيّة الخاصة لا يخفونها، وكذلك لا يُباهون بها. وتم تقديم حياتهم في صورة واضحة، أنهم رجال ونساء يتمتعون بإمتيازات المواطنة الكاملة. يُسمح لهم، كحق إنساني طبيعي، بالعمل في التجارة، والمشاركة في الخدمة الوطنيّة داخل جيوش بلادهم، والتعبير عن أنفسهم، بالكتابة والرسم وباقي الفنون، دون حرج، في أي وقت ومكان. وهناك على ذلك مثال "أكاديميّة أفلاطون" التي كانت ترحب بالمثليين، للممارسة الجنسيّة الحرّة، والتفاعل الفكري الفلسفي بين الرجال.
كذلك رأينا في المسلسل، العلاقة المثليّة النسويّة بين "لوكريشيا وإليثيا"، وكلتاهما متزوجة أيضًا، والمدهش أن زوجيهما يعرف كل واحد منهما، أن زوجته على علاقة جنسيّة بصديقتها، ولم يبدِ أي منهما إعتراض، بل إعتبرا ذلك نوعًا من رفاهيّة المرأة وسعادتها الخاصة، حيث أن المرأة هي الأقدر والأعرف بمناطق سعادة نظيرتها بنت جنسها. لكن المشكلة ظهرت بين الإمرأتيّن، حينما حبلت "إليثيا"، وإكتشفت "لوكريشيا" إنها عاقر، مما سينمع لقاءات اللذة بينهما، ويُحول الشوق إلى حقد وكراهيّة، فإعتبرت العاقر ذلك الحمل نقض لعهد الحب، وخيانة مباشرة لها، فقامت العاقر بقتل عشيقتها الحُبلة وطفلها معها!!؟.
      ومن الموّثق تاريخيًا، طبعًا بحسب المراجع المُتاحة، أنه لم يوجد بيت في روما، إلا وتكوّنت الأسرة داخله، من أب وأم وعبيد، فقد كان وجود العبيد جزء من بنيّة المجتمع في ذلك الوقت، وكثرتهم دليل تميزه وتقدمه في الصناعة والخدمات!!؟. لذلك رأينا بين صفوف العبيد في الدار، أنثى تختّص بإسعاد ربّة البيت، تقوم بتحميمها، ومداعبتها جنسيًا، وتزيينها وتصفيف شعرها، وإختيار ملابسها للخروج والسهرة. وذكر يختص بإسعاد رب البيت؛ يتبارزان ويتدربان على القتال معًا، ثم يلهوان في ممارسة تبادليّة حرّة. طبعًا مع علم الطرفين "الزوج والزوجة" بوجود تلك العلاقة المِثليّة التكميليّة التي تتم بين/ مع كل طرف، والعبد الذي إختاره. المثليّة لم يتم إعتبارها خيانة لقدسيّة الحياة الزوجيّة، أو تقليل لكرامة أحد أطرافها، أو إنكار لحقه. المثليّة، كما قدمها المسلسل، هي الحياة التي لم تعرف طبقيّة، أو تمييز، أو تفرقة. ولكن هذا لم يمنع من وجود غيرة وحالات الشك في وجود خيانة، بين المثليين وبعضهم، فالعلاقة تتطلب قدر من الوفاء والإخلاص، إلا إذا تم الاتفاق - بين الطرفين- على غير ذلك من بدايتها.
هذا ليس "نموذج أمريكي" يسعى الغرب الماجن الداعر، وفق نظريّة المؤامرة الكونيّة، إلى تعليبه وإرساله لمجتمعاتنا المتخلفة التي تأن تحت وطأة الدين والجهل والمرض، كي نُحاكيه لنصير مثلهم لا سمح الله!!؟. بل هي صورة فنيّة توضح ما وصل إليه ذلك الوسط الإجتماعي الإنساني، من تفاهم في أدق العلاقات الخصوصيّة السريّة، التي دائمًا يُساء فهمها، ومحاربتها عن جهل بها.


 

التطهير والخلاص

التطهير والخلاص

     بعض الأفلام تنتهي متعتها وفكرتها من ذاكرتنا، بمجرد إنتهاء مدة عرضها، بينما بعض الأفلام الأخرى تترك في مخيلتنا العديد من التساؤلات تصحبنا من بداية العرض، وحتى إنتهاءه، وربما لعدة أيام بعد ذلك. ومن ضمن هذه الأفلام يندرج فيلم "The Purge/ 2013"، من تأليف وإخراج جيمس ديموناكو، الفيلم يدور حول عمليات "التطهير الشعبي"، التي يقوم بها الأفراد تجاه بعضهم البعض، في يوم معين تم تخصيصه لذلك، في ظل سماح الحكومة وأجهزة الدولة. مما يجعلك تقف أمام عدة تساؤلات؛ هل يكون العنف والقتل، حل لمشكلات العنف والقتل!؟. هل عقاب المُذنب بنفس ما أذنب به، دون أن يقدم ما يدافع به عن نفسه، أمام محاكمة عادلة، سيعتبر وسيلة ناجحة لحل المشكلة!؟. وهل عمليات الإبادة الجماعية؛ لطبقة أو فئة أو فصيل أو جماعة ما، سيكتب لهم الفناء والإختفاء والإندثار نهائيًا، ولا يعود لذكرهم وفكرهم بعد ذلك، أي شخص مجددًا!؟، وما هو دور الدولة والعقد الإجتماعي، طالما يفعل كل شخص حريته التي تؤذي وتدمر غيره!؟.

يبدأ الفيلم بمجموعة متنوعة من المشاهد الواقعية، من تسجيلات كاميرات المراقبة في الشوارع الرئيسية والمحلات التجارية والمؤسسات الكبرى، ولقطات أخرى من قنوات تليفزيونية إخبارية مختلفة، ويظهر بجانب كل فيديو منهم بيانات توثيقية عن يوم تسجيله، ومكانه، والتوقيت المأخوذة فيه تلك اللقطات. اللقطات تحوي عمليات عنف وقتل جماعي ومعارك دموية بالأسلحة البيضاء وعصا البيسبول التي ترتفع وتنزل لتكسر عظام إنسان أعزل يتألم ويصرخ بلا مساعدة أو تدخل ممّن حوله!!؟، ثم نرى عمليات منظمة لحرق بيوت وشركات كاملة، وصراخ ودماء في كل مكان، والعنوان الثابت لكل الفيديوهات هو "الحفل السنوي للتطهير". بعد ذلك نجد بطل الفيلم رجل الأعمال "جيمس ساندين" بأداء الممثل المعروف إيثان هاوك، يستقل سيارته في طريق عودته إلى المنزل، ملقيًا كلمات التحية على جيرانه، ويشجعهم على تجاوز ذلك اليوم بنجاح، كعادتهم كل عام، ثم يأتي صوت البث من الراديو "الفقراء والضعفاء لا يمكنهم حماية أنفسهم، بالتالي هم الأقرب إلى الفناء.. الحرية هي شعار بلدنا العظيم أمريكا، ما خطتكم للتطهير اليوم؟؟؛ ونسمع إجابات المستمعين "أنا قمت بتأمين منزلي جيدًا..  سوف أذبح رئيسي في العمل... سأقتل كل من أساء إليّ... سأسرق البنك المركزي".  ثم يعقب المُذيع عليهم بحماس "حرر الوحش من داخلك.. طّهر نفسك.. برجاء وضع زهور زرقاء أمام باب منزلك حتى يعرف الجميع أنك مؤيد ومتضامن في حملة التطهير العام". وهنا نلحظ التشابه والرمزية بين فكرة الزهور الخاصة بحماية فئة معينة، حتى لا يتم الفتك بها وقتلها، تعيد في ذاكرتنا رمزية الصليب المعكوف الذي رسمه الألمان على منازلهم، حتى لا يتم قتلهم بإعتبارهم يهود إبّان الحرب العالمية الثانية، أو الخطوط المتقاطعة التي رسمها اليهود أنفسهم على أبواب منازلهم في مصر، حتى إذا جاء ملاك الرب لا يقتل أولادهم، بحسب ما جاء في قصة الضربات العشر المذكورة بسفر التكوين التوراتي.

في المنزل العريق، نتعرف على أسرة "ساندين"، الزوجة "ماري"، والإبنة المراهقة "زوي"، والإبن الصغير "تشارلي". أربعتهم يتناولون طعام العشاء على السُفرة، قبل أن تُعلن الساعة تمام السابعة مساءًا، فتأتي رسالة رسمية عامة، مكتوب ومنطوقة، على كافة القنوات، وفي خلفيتها يرفرف العلم الأمريكي، تقول "هذا نظام الطوارئ المركزي، نعلن بدأ حملة التطهير العام، الذي أسسته الحكومة، جميع الأسلحة مسموح بإستخدامها، مسئولي الحكومة فقط عليهم حصانة من التطهير، الآن تنطلق الصُفارة الأولى، وسيتم سحب أي قوات رسمية "الإسعاف، الشرطة، الجيش، المطافي"، لن يستجيبوا لندائكم، كل الجرائم مشروعة، من الآن ولمدة 12 ساعة، حتى تسمعون صوت الصُفارة مرّة إخرى، تعلن انتهاء التطهير العام" فينظر أفراد الأسرة لبعضهم، ويُبدي الأب إرتياحه وترحيبه بهذا النظام الحضاري الذي يُساهم في خلاص المجتمع من جراثيمه البشرية التي لا تستحق الحياة!!؟.
       
      
     تتعقد الأحداث، حينما نجد عشيق الإبنة، لازال داخل المنزل، ولم ينصرف كما أخبر الفتاة، ونعرف إن الشاب يريد إستغلال ساعات التطهير ليقتل الأب  "ساندين" الرافض لفكرة حب إبنته بالشاب. في نفس اللحظة، نرى خارج المنزل من خلال شاشة كاميرات المراقبة، شخص أسمر "زنجي" مصاب بطعنة في بطنه، يركض في الشارع إلى باب المنزل، طالبًا النجدة ولكن لا يتدخل أحد لمساعدته. فيتدخل الطفل "تشارلي" ويوقف أجهزة إنذار المنزل للحظات، ويفتح الباب سامحًا له بالدخول، دون أن يستأذن أبويه، قبل هذا التصرف. فيدخل الزنجي ويختفي في المنزل لحظة معركة الأب والعشيق بالمسدسات. ثم نعرف أن هناك جماعة عنصرية، تسعى للتخلص من الزنوج، تطارد هذا الشخص. ويطلب زعيمهم من "ساندين" أن يسلمه لهم حيًا، وإلا أحرقوا المنزل وقتلوا كل من فيه!؟. ويقول له "الأزهار الزرقاء على باب منزلك مستر ساندين، والتي تؤكد صدق نواياك وتضامنك مع حملة التطهير، لذلك عليك أن لا تتراجع عن القتل والوحشية معنا لنصل لخلاص المجتمع"، ثم يقطعون النور عن المنزل.

من أروع المشاهد في التصوير، مشهد المطاردات في الظلام على أضواء الكشافات، كذلك المعركة بين الأب والزنجي الجريح، حيث ظهرت براعة الكاميرا في تجسيد الأنفاس اللاهثة وسرعتها في إدراك ركض الأب والأم والإبنة في مطاردتهم لهذا الشخص الغريب داخل منزلهم، كذلك درجات تباين الإضاءة بين القمر في الخارج، وضوء الكشافات من نوافذ المنزل المظلم.

ولا ننسى وضوح ومباشرة السيناريو، في حديث المواجهة الخاصة بالمبادئ الإنسانية، الذي تثيرُه الزوجة حينما علمت أن الزوج سيسلم الزنجي للجماعة بالخارج، ويقف ليشاهدهم يذبحوه ويمثلون بجثته!؟. فيحاول الزوج أن يؤكد لها أن هذا نظام الدولة في التطهير العام، وكل الشعب اتفق على ذلك وأيده في إستفتاء عام، ولسنا مطالبين أن نظهر أي مشاعر في تنفيذه، فتخبره الزوجة أنها لن تشارك في تلك اللعبة القذرة، وستحاول حماية هذا الشخص. ووسط المشادات الكلامية، يُبقي الأب عليه، ويعلن إنه سيحارب الجماعة العنصرية المتطرفة التي تستعد للهجوم على المنزل. فتبدأ مجموعة من المعارك وسط طلقات النار، وتطاير الدماء والأشلاء هنا وهناك، ولكن المفاجأة حينما نجد أن بعض أسر المنازل المجاورة تأتي لمساعدة أسرة "ساندين" للتخلص من هذه العصابة، ثم نكتشف بعد ذلك إنهم جائوا فقط لنوال شرف قتل "ساندين" وعائلته، بسبب الفروق الطبقية بينهم!؟. في النهاية يقوم الزنجي بمساعدة الأسرة في التصدي للهجوم سواء ضد هذه الجماعة المتطرفة أو ضد الأُسر المجاورة. وينتهي الفيلم على دقات الساعة السابعة صباحًا، وإصابة الأب بطعنة غادرة، وسط دموع الأم والأبناء، وخروج الزنجي من المنزل مع شروق الشمس في صورة فنية تحمل العديد من الدلالات.

جاء تصميم خلفيات الفيلم مُعبرًا بشكل واضح عن محتواه، فنجد الخلفية الأولى، صورة بيضاء مربعة، بداخلها الصليب الأحمر الشهير الخاص بالإسعافات، موضوع داخل دائرة وعليه خط قاطع يفيد المنع والرفض، وكتب فوقه "تنبيه: جميع الخدمات الطارئة، سيتم تعطيلها، لمدة تستغرق 12 ساعة، حتى يتم التطهير". الخلفية الثانية صورة سوداء، في مقدمتها إلى اليمين قناع ترتسم عليه ضحكة مرعبة، وتظهر من تحته عين من يرتديه مُنذرة بالشر، وكتب إلى يساره "ليلة واحدة في العام، كل الجرائم مسموح بها.. حاول أن تظلّ حيًا".





   
    الفيلم يُعيد طرح ومناقشة العديد من الأفكار النازية الفاشية، الخاصة بالمحرقة والإبادات الجماعية، بجوار تصاعد الرفاهية والتوجهات الرأسمالية النخبوية والصراع الطبقي حولها، من خلال عرض فكرة إجماع الناس في دولة الحريات العظمى، على تخصيص يوم لهم، يتخلون فيه عن تحضرهم ورقيهم وتمدنهم، ليستعيدوا فيه حياة الغابة مجددًا، حيث البقاء للأصلح والأقوي والأقدر على التكيُّف، ليتم تطهير المجتمع، خلال ساعات إختفاء وإنسحاب السلطة الإختياري، ويتم قتل كافة الفقراء والمرضى والمسنين والأطفال والأغبياء وأي شخص مختلف مع السياق التطوري الحديث!؟، والسلطة بدورها، خصصت هذا اليوم ليطلق كل فرد الوحش الذي بداخله، الساعي للفتك والقتل والذبح والغضب، ولكنه لا يفعل ذلك خوفًا من كلمة قانون أو صوت دين، بالتالي بدلا من أن يتم شحن الناس ضد السلطة في ثورة أو تمرد أو إنتفاضة، شحنتهم الدولة ضد بعضهم البعض، وخصصت لهم "يوم التطهير الشعبي".

الموت يتسرب إلينا

   حينما تتقلص الحياة


 

       هواة الأبحاث الفلسفية والنفسية وربما الإجتماعية أيضًا، قد يجدون في هذا الفيلم زادًا يعينهم لكتابة العديد من الدراسات والمقالات، بل وتدوين التحليلات المنفردة عن كل شخصية على حدا. ففي فيلم " Detachment "2011، نرى مزيج من الشخصيات المُركبة في تصرفاتها، والتي يرى كل منها العالم بشكلٍ مختلف، ولكن يبقى ما يجمع بينهم هو نفس الهَّم الوجودي المُشترك، ذلك الشعور المستمر بإفتقاد الرغبة في الحياة، وإنطفاء نور الغد من حولهم بشكل تدريجي.

الفيلم ضم مجموعة كبيرة من الفنانين، ربما أهمهم آدريان بوردي في دور المدرس الإحتياطي "هنري بارثينز" والذي سبق لنا ورأيناه في العديد من الأفلام التي تركت بصمتها في السينما العالمية مثل؛ عازف البيانو The Pianist 2002، الفصيلة المجهولة Splice 2009، "التجربة" The Experiment 2010، ومعه الممثلة ماريكا جااي في دور مديرة المدرسة، بجوار الشابتين الصغيرتين، باتي كايا في دور التلميذة البدينة "ميرديث"، وسيمي جايل في دور فتاة الليل "إيريكا". 

الأحداث في الفيلم، تدور في أماكن ضيقة، قليلة، باردة نفسيًا، يُغلفها جميعًا ذلك الظلام التدريجي ذو الإضاءة المائلة للزُرقة؛ حتى أنك تعتقد أن تلك الأماكن هي إمتداد لبعضها البعض، أو إنهم مكان واحد كبير، يحوي بداخله إختلافات نسبية في الديكور. حتى الممثلين قليلي الحركة، وكأنهم مقدين في أماكنهم، لا يمكنه مغادرتها.

في المشاهد الأولى، وقبل تترات الفيلم وعنوانه، نرى تلك العبارة الوجودية، والتي اشتق منها إسم الفيلم، وموقعة بإسم الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو "ولم أشعر قط أنني مكتمل الحضور، وفي نفس الوقت شعرت بمدى إنفصالي عن العالم". وكأن المخرج بذلك يمّهد لنا ما ينتظرنا من أحداث لها طابع فلسفي مختلف، يحتاج نظرة أكثر عمقًا. ثم نرى لقطات وكأنها تسجيلية، للمدرس هنري يجلس على طاولة في وضع الإستعداد لتسجيل تجربته في التدريس، ويطلب بهدوء أن يقوم من يجلس أمامه بوضع شريط يسمح بمساحات أكبر من وقت الحكي.


بعد ذلك؛ نرى المدرسة بفصولها المحطمة، وطلبتها المشاغبين، ومدرسيها المحبطين نفسيًا، الرافضين لوظيفتهم وواقعهم، والغير مؤمنين بدورهم التربوي والتعليمي. حتى في غرفة المدرسين لا يتحدثون مع بعضهم البعض، أو يستقبلون أي طلبة للإجابة على تساؤلاتهم، فلا توجد لدى الطلبة تساؤلات، ولا لدى المدرسين إجابات، بل الكل يحيا شكليًا فقط في هذا المكان.
تنقلنا الكاميرا لنتعرف على واقع المُدرس، فتحولنا برشاقة إلى شقة "هنري" قليلة الأثاث، غير منظمة، ذات إضاءة خافتة. وبعد ذلك، نرى المستشفى حيث يركض جد "هنري"، الكهل المصاب بمرض الزهامير، والذي يذهب "هنري" لزيارته يوميًا ليلقي عليه نظرة ربما تكون هي نظرة الوداع.

في لقطات طويلة، هادئة، صامتة، داخل المدرسة، نرى المدرس "هنري" وهو يسير في الممرات الطويلة الضيقة، النصف مضيئة ونصف مظلمة، والكاميرا ترصده لنا من ظهره دائمًا، وهو يسير بإتجاه البقعة الأكثر إظلامًا بطول الممر، وكأنه يخاف من مواجهتنا، أو يتجه بنفسه نحو المجهول الذي لا يعلمه أحد حتى هو. نفس الحال في ممرات المستشفى، والتي تدل جدرانها الطولية البيضاء الباهتة، على رهبة الموت وبرودته، حيث كان يذهب هناك للإطمئنان على صحة جده المريض.

التقطيع في الفيلم "المونتاج" لعب دورًا هامًا في إدخالنا لقلب الأحداث، وفهمها بصورة أوضح وأعمق، نرى الأستاذة المُدرسة تجلس مع هنري في أحد المطاعم هي وحدها من تتكلم وهو فقط يستمع، في البداية كان مستمتعًا بحديثها، ثم لاحظنا من تقطيعات الكادرات، واختلاف زواياها، إنها أطالت في الحديث كثيرًا حتى تسرب الملل إليه، والكاميرا تقوم بعمل Zoom in.  على فمها أثناء الحديث. 

كذلك لقطات غضبه بسبب سوء فهم حدث حينما كان في الفصل المدرسي، وتم ضبطه يحتضن الطالبة الباكية "ميرديث" لطمأنتها ومحاولة منعها من ترك المدرسة نهائيًا، رأينا اللقطات مهزوزة، تقترب من وجه هنري بشكل يحوله لمسخ وكأنه سيهجم علينا، لتظهر إنه في لحظات الغضب يكون الإنسان في أبشع صورة له. كذلك تم إدخال صور لوالدته التي انتحرت وهو طفل صغير، كلما حاول الجلوس مع أي انثى، والتي ربما تحيلنا ذهنيًا لفهم محاولاته المستمرة لإنقاذ أي انثى يجدها في خطر أو تعاني من مشكلة بشكلٍ معين.

الفتاتان، كل منهما تحمل قصة مختلفة، قد يقوم فيلم كامل عليها. "إيريكا" فتاة الليل، التي تحاول في البداية إغراء المدرس في طريق عودته للمنزل، ولكن حينما يرفضها، ويعاملها كإنسانة تم التغرير بها تائهة في عبث الواقع، تشعر بتميزه، وإنه شخص مختلف، تحاول الإلتصاق به، فيحاول إن يوضح لها إن لها حياة أفضل يمكن أن تصل لها، ويمكنها إكمال دراستها أو تلتحق بوظيفة، وكان يرى فيها أمه المنتحرة التي غابت عنه في أشد أوقات إحتياجه لها، وفي لحظة معينة حينما وجد إن "إيريكا" ستبدأ بالتعلق به وتحبه، ترك رجال الإصلاحية يأخذونها، في مشهد مؤثر مليء بالبكاء والصراخ.



"ميريدث" فتاة أخرى تائهة في نفس العبث الوجودي، ولكن قصتها تحمل ثقل من الألم لا يُحتمل، والدها يهينها يوميًا ويعتبرها بقرة سمينة بسبب كبر حجمها ووزنها الزائد، ويوبخها إنها لن تتزوج ولن تجد من يحبها وهي بهذا الشكل. وقد تعمّد المخرج أن لا يُظهر لنا شكل الأب ويأتي بصوته فقط من خارج الكادر ربما كدلالة أن الشر دائمًا المتمثل في الشخص الذي يحبطنا لا يجب ظهوره مباشرة أمامنا، بل ربما يأتينا صوته ليملأ المكان بالسواد والضجيج، ليدفعها للإنتحار في حفلة التخرج في نهاية الفيلم. غرفة "ميريدث" مليئة بالصور التي التقطتها لأصحابها وأصدقائها في المدرسة، ولكنها حذفت عيون كل من في الصور، وكأنها تخاف من عيون الناس التي تسلبها وجودها وتطاردها وتسخر من وزنها الزائد في كل مكان. حتى حينما قامت بتصوير "هنري" حذفت عيونه، وحذفت الطلبة من الفصل، وقالت له "مدرس بلا عيون... في فصل بلا طلبة".

الفيلم ينتهي نهاية غير متوقعة، حيث تنتحر "ميريدث" في حفل التخرج على مرأى ومسمع الجميع، حينما تتناول "كيكة" قامت بتسميمها واحتفظت بها لنفسها ورسمت عليها وجه الحزين، ومنعت أي شخص أن يأخذها، بينما باقي القِطع رسمت عليهم وجوه مبتسمة، وقدمتهم لزملائها الطلبة. وفي حزن "هنري" يذهب لإخراج "إيريكا" من الإصلاحية، لتعود للحياة معه من جديد، وهي اللقطة الوحيدة طوال الفيلم التي تظهر الشمس وأشعتها لتغلف المكان ككل، وكأنها الإشارة أن حبهما هو الذي أنار هذه المدينة الحزينة، وغيَّرت هذا الواقع المظلم من حولهما. 
 

حرق الأحداث هل يقضي على متعة المشاهدة الأولى!؟




    "حرق الأحداث" هو ذلك المفهوم المُبهم، الذي يطلقه البعض على تلك الحالة التي يعتقدون فيها أن "لهفة ومتعة الفيلم يتم الانقضاض عليها وحلها وفضحها، لمجرد قيام شخص بسرد جزء أو كل أحداث الفيلم (Spoiler)"، مما يجعلنا في مواجهة عدة تساؤلات منها: هل حقًا يمكن حرق الأحداث!؟، هل حكي وسرد جزء من أحداث الفيلم قد يُغني عن مشاهدته بشكل كامل!؟، هل لكافة المشاهدين نفس الذاقة ونفس لغة التعبير عن فن الصورة!؟، علاقة المقال التحليلي والنقدي بحرق الأحداث!؟. ومن خلال محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات، ننتقل لبيان عدة نقاط، من شأنها توضيح "مغالطة حرق الأحداث" وهي:

1-   الرواية تستخدم الكتابة على الورق (الدال الكتابي) للتعبير، وهي علاقة أحادية بين الكاتب والورق، بينما السينما تستخدم فن حركة الصورة (الدال البصري) للتعبير، وفيها علاقات متعددة بين تخصصات متداخلة، بالتالي لكل مجال أداته وطريقته في توصيل المعنى والفكرة و إبراز الدلالة، والتي تختلف بين القطاعين، مما يجعل من الصعوبة بمكان حكي الفيلم شفهيًا أو كتابيًا، مهما بلغت حرفية ودقة من يحاول "حرق الأحداث".

2-  حبكة الفيلم نسيج واحد متصل، سيمفونية متعددة الأدوات، هناك مثلا: التصوير، والإضاءة، والديكور، والموسيقا والمؤثرات الصوتية، والمكياج، والخدع الجرافيك، والتمثيل وبراعته، والعبارات ومدى حرفية الممثلين في إلقائها بنبرات صوتهم المميزة، يجمع كل ذلك مايسترو واحد هو المخرج، الذي يُعد أول عين تتخيل الفيلم وتراه في الصورة النهائية التي سيخرج وفقا لها، بالتالي من يحكي الفيلم -حارق الأحداث- لن يتمكن من إيصال كل هذه السيمفونية من خلال أداة واحدة فقط هي الكلام!!، بل سيكون من الأسهل أن يعرض الفيلم لك.

3-  لو كان حكي الفيلم يكفي لحرق أحداثه وضياع متعته، ربما سيكتفي المخرج بعد ذلك بطبع نسخ من سيناريو الفيلم، ويقوم بتوزيعها على الناس، بدلا من أن يرهق نفسه ومعه باقي فريق العمل من الفنيين والفنانين والحرفيين في المشاركة لصنع الفيلم. ولكن ذلك لم ولن يحدث، وهناك تجربة إصدار كتب تحتوي على سيناريو بعض الأفلام الهامة، ولكنها قلما تلقى إهتمام القاريء العادي، بل يتناولها القاريء المتخصص بالدراسة كمقدمة أولية قبل المشاهدة، لمعرفة بنيَّة الفيلم وبراعة المخرج وفريق العمل في صنع هذا الصرح الفني.

4-   أحداث وتفاصيل الرواية (نص مكتوب) لا تتحول -عادًة- إلى فيلم (صور متحركة) كما هي بنفس التفاصيل، دون إدخال تغييرات ورؤى متعددة، بالتالي حتى لو كنت قد قرأت رواية وتظن إنها ستتحول إلى عمل سينمائي وتظل محتفظًا بنفس أجوائها فأنت مخدوع أو موهوم، المخرج ليس رسام كوميكس، ينقل لك الرواية بأمانة كما هي، بل هناك خيانة مبدعة للنص، هناك رؤية خاصة به في صنع الرموز والإيحاء والحبكة والحركة، كذلك مدير التصوير في اختيار الكادرات والعدسات والمشاهد المناسبة، إلى آخر العناصر الفيلمية التي تشارك في ظهور العمل. وهناك عشرات الأمثلة عن روايات تحولت إلى أفلام ومازال البعض يقوم بعقد تلك المقارنات البائسة بين كلاهما، ويحاول إظهار الاختلافات، ليصادر على حرية المخرج ورؤيته وبراعته في تصوير الفيلم، ونذكر رواية "المريض الإنجليزي" للروائي الإيطالي مايكل أونداتجي، وأشهر مثال مصري "الثلاثية" و"الطريق" و"السمان والخريف" واللص والكلاب" و"زقاق المدق" وغيرها الكثير للكاتب العالمي صاحب الحظ الأوفر في تحويل أعماله إلى أفلام الأستاذ نجيب محفوظ.

      بالتالي كان من السهل على دعاة هذا الرأي أن يقترحوا على الروائي أن يتعلم حرفيّة كتابة السيناريو ويكتب للسينما مباشرة ويترك عمله الروائي!!، أو يقف بنفسه كحارس على يد المخرج يوجهه ليكون الفيلم مطابق للرواية!!؟. بالتالي إن كانت الرواية وهي النص الأصلي المأخوذ عنه الفيلم لم يطابق الصورة المتحركة على الشاشة الفضية فما بالك بشخص يريد سرد ما رآه على هذه الشاشة!؟.

5-  المقال النقدي والمقال التحليلي للفيلم، حينما يحتويان على أجزاء من الفيلم (مشاهد/ لقطات)، يكون الكاتب قد قام بذلك من أجل تحليلها وإبراز عمق الدلالة والمعنى فيها، من أجل النقد وإبراز مراكز القوى والضعف في التعبير البصري وغيره من أدوات فيليمة، لبيان "ماذا يريد الفيلم أن يقول!؟، وكيف حاول أن يقول!؟". فلا حرج على الكاتب أن يسرد لنا بعض أحداث الفيلم، ولا يعتبر هنا "حارق للأحداث".

6-  المقال النقدي والمقال التحليلي، يُعدان أحد طرق حفظ وأرشفة موقف ورأي وتذوق الكاتب/ الناقد عن الفيلم، فهناك عشرات الأفلام التي تاهت في غياهب التاريخ؛ سواء بسبب السرقات للأصول الخاصة بشريط الفيلم، أو لسوء أماكن تخزينه أو لعدم وجود شريط للفيلم من الأساس إلا مع المخرج ويرفض عرضه لأسبابه الخاصة!!؟. خاصة وإنه لا يوجد في مصر أرشيف سينمائي يضم تاريخ السينما المصرية، ومعظم الأفلام غير متوفرة على شبكة الإنترنيت ومواقع المشاهدات أو شرائط الفيديو!!؟. بالتالي لم يبقَ عن الأفلام سوى مقالات تحكي قصة الفيلم وتعرض شريط بياناته وفريق العمل، تعد كوثيقة نعود لها لمعرفة احداث الفيلم وتفاصيله، ورؤية الناقد له.

7-  المقال النقدي والمقال التحليلي، مفاتيح ذاتية للدخول إلى بوابات الفيلم، الناقد يكتب رؤيته، والتي يتفق معنا من بداية المقال، إنه موقف شخصي بحت، يعبر فيه عن ما ظهر في نفسه عند مشاهدة الفيلم، وينتظر منا نحن أيضًا أن نفعل المثل فور مشاهدتنا، وهذا المقال النقدي/ التحليلي يساعدنا في التعرف على جماليات فن الفيلم وليس يوجهنا لإصدار أحكام مطلقة على حبكته أو أحداثه أو طريقة عمل فريقه، بالتالي المقال يُعد "وسيط مؤقت قد يسبق أو يعقب اللقاء الحي مع الفيلم نفسه"، ولا يعتبر حرق للأحداث.

  


العمل الأول وتشكيل الوعي


العمل الأول وتشكيل الوعي
                         

      العمل الأول في حياة أيّ فنان، وفي أيّ مجال، هو تذكرة دخوله لعالم جديد، هو لحظة إلتقاءه بالجمهور العريض مِن حوله، لحظة المواجهة بمن ينتظر فنه وإنتاجه. إلتقاء الذاتي الفردي الداخلي بالخارجي الجمعي. لذلك فقد يُعتبر؛ بشكل ما، العمل الأول، مقياس نجاح أو فشل، صعود أو هبوط، تقدم أو تأخر، هذا الفنان. 


وفي السينما يلعب الفيلم الأول، عمومًا، دورًا في هذا، ولكن يظل الفيلم التسجيلي، خصوصًا، هو الأكثر انتشارًا وصاحب الغلبة عند المتلقي، فهو الأقرب لوجدان المشاهد والأكثر صمودًا أمام الزمن، حيث أبطاله على الشاشة هم أبطاله في الواقع، ما يقومون به اثناء وجود الكاميرا، هو نفس ما يقومون به، غالبًا، في حياتهم اليومية العادية، دون تدخل بالديكور أو الممثلين، ودون نص حواري مكتوب، مما يعطي التسجيلي بُعد أعمق في الوعي الإنساني.

وفي السينما العالمية، في فرنسا، كان أول فيلم يظهر للنور، فيلم تسجيلي، فقد سجّل الأخوان أوجست ولويس لوميير Auguste & Louis Lumiere اختراعهما لأول جهاز يتمكِن من عرض الصور المتحركة على الشاشة في 13 فبراير 1895 في فرنسا، على أنه لم يتهيأ لهما إجراء أول عرض عام إلا في 28 ديسمبر من نفس العام، فقد شاهد الجمهور أول عرض سينماتوغرافي في قبو الجراند كافيه  Grand Café، الواقع في شارع الكابوسين Capucines بمدينة باريس. وكان هو فيلم "وصول القطار إلى المحطة"، فيلم وثائقي قصير صوره وعرضه الأخوان لوميير، ورغم أن الفيلم لا يحتوي على مضمون معين ويكتفي بعرض عملية وصول القطار إلى محطة مدينة لاسوت إلا أنه حصل على شعبية كبيرة  وأحدث ضجة لدى الجمهور الذي لم يكن جاهزًا بعد من الناحية النفسية لتقبل صورة حية لحركة القطار وهو يأتي من بعيد ويقترب تدريجيًا إلى الكاميرا/ الشاشة ثم يحتل الكادر كاملا لكي يعطي انطباعا بالضخامة، حتى إن بعضهم قفز من على الكراسي معتقدًا إنه قطار حقيقي!!. وكان فيلمهما الثاني "خروج العمال من المصنع" لا يقل عن الأول في جديته وأهمية موضوعه. 


    ورغم أن الفيلم يعتبر من ناحية تصنيفه فيلما وثائقيًا/تسجيليًا فإن الكثيرين كذلك يعتبرونه أول فيلم فني، ذلك أن الذين يظهرون في الكادر هم في معظمهم من أصدقاء وأقارب الأخوين لوميير اللذين قاما بدعوتهم للسفر على متن ذلك القطار من أجل تصوير الفيلم.

    وفي مصر، كان قدوم هذا الاختراع الجديد مبكرًا. وكانت مصر من أوائل الدول في العالم التي عرفت هذا الإختراع. في أقل من عام على مرور أول عرض سينمائي على مستوى العالم ( باريس 28 ديسمبر 1895)، كان أول عرض هنا في مصر في الإسكندرية (5 نوفمبر 1896).

وقد قام "عزيز ودوريس" بإنتاج أول شريط سينمائي مصري صامت بإسم "زيارة الجناب العالي للمعهد الديني في مسجد سيدي أبو العباس" 1907، وهو الميلاد الحقيقي للسينما المصرية ومنه يتم التأريخ لفن الفيلم في مصر، بحسب أغلب النقاد، كما سبق ورأينا الاحتفال بمئوية السينما المصرية 2007. وفيه يظهر الحاكم لحظة دخوله المعهد الديني والحفاوة والفرحة تظهر على الجماهير المحتشدة من حوله. وقام الفيلم في هذه الفترة بخلق نوع من التواصل والرباط الشعبي بين المشاهد/ المُتفرج والباب العالي من خلال زيارته لمسجد أبي العباس، حول علاقة الحاكم بالمحكوم، ومحاولة إذكاء المشاعر الروحية ودمجها بالمشاعر الوطنية.

    والمفارقة بين العمل السينمائي الأول الفرنسي، والعمل الأول المصري تبدو واضحة صارخة في تباينها، فبينما ظهر الوثائقي في فرنسا باعتباره تعبيرًا عن الواقع الحي العفوي، أي عن حياة الناس العادية كما يمكن تلمسها في محيطنا المباشر ("الخروج من مصنع لوميار"، "دخول القطار إلى المحطة"،...)، وارتبط، من ثمة، بمفهوم الاكتشاف ومعرفة العالم الإنساني اليومي. جاء الفيلم المصري ليتخذ وجهة مختلفة تتمثل في الانشغال بتغطية نشاط الدولة الرسمي ممثلا في التحركات والتنقلات التي تقوم بها الطبقة السياسية أو الحكام العرب "الباب العالي" على وجه الخصوص، بجوار البُعد الديني الواضح في الموضوع في زيارته للمساجد والمعاهد الدينية، وكأن الفيلم جاء ليخلق ويؤكد بدوره ذلك التزاوج بين الدين والسياسة في شعور المتفرج. 

Saturday, September 12, 2015

نافورة أبدية الوعي


نافورة أبدية الوعي


     للأسطورة سحرها، ومهما مرّ الزمان، يعود لها الإنسان، من وقت لآخر، لينهل منها ويستخرج من عُمقها بعض المفاهيم، مرّة ليفهم بها غيبيات واقعه، وقد ينتقدها موضحًا أثرها المستمر في حياته، وأخرى ليتجاوزها بأسطورة أخرى أو عِلم حلّ محلها. من هنا تأتي أهمية فيلم "النافورة" The Fountain  سيناريو وإخراج دارين أرنوفيسكي 2006، والذي لعب بطولته وجهيّن من ألمع الوجوه السينمائية هما؛ هيو جاكمان Hugh Jackman في دور تومي، ورتشيل وايزس Rachel Weisz في دور إيزابيل.  

ربما يختلف الفيلم عمّا سبق وشاهدناه من أفلام تناقش مفهوم الأسطورة وأثرها، وقد يرجع إختلافه لعدة نقاط؛ منها إنطلاف الفيلم من جذر قصصي خيالي مغلف بالدين، متفق عليه نسبيًا في الأديان الإبراهيمية الثلاثة وبعض أساطير الحضارات القديمة (حضارة المايا)، وهي فكرة تقديس شجرة معينة، هي شجرة الحياة، التي كل من يأكل منها لا يرى جسده الموت أبدًا، وتم معالجة الفكرة، من وجهة نظر المخرج، دون أي إسقاط أو مساس بأي عقيدة بشكل واضح، مما أعطى الفيلم ثُقل دلالي رمزي.    

السرد في الفيلم، ليس سرد تتبعي خَطِي، بل تسير القصة على ثلاثة مستويات، في تنويعة جمالية بين الماضي والحاضر والمستقبل؛ بنفس الأبطال، وربما نفس الأسماء، ونفس الرموز والدلالات، ولكن يختلف الوسيط المستخدم بحسب سياق الظرف المكاني والزماني؛ فنشعر وكأننا ثلاثة أفلام لنفس القصة.

في الماضي؛ نرى "توماس" الفارس الأسباني الذي يحاول القضاء على الفساد الذي دبّ في الكنيسة بسبب سلطوية رجال الدين وقمعهم لأي صوت مخالف مختلف، وإستمرارهم في عمليات الإبادة التي يشنوها على الطوائف الأخرى، بل تطاولهم على الملكة نفسها وتهديدها بنزع العرش منها، ونرى الملكة "إيزابيل" تعطي الفارس الوعد بالزواج منها، إذا وجد شجرة الحياة وأتى لها بإكسيرها، وتعطيه خاتم ذهب كعهد بينها وبينه، فيذهب الفارس في رحلته إلى الأراضي المقفرة النائية، في أمريكا الجنوبية، حيث حضارة المايا، ويدخل في صراعات دموية هناك، وفي النهاية يجد شجرة الحياة، وحينما يأكل منها، يتحول هو نفسه إلى شجرة بجوارها.


في الحاضر؛ نرى "تومي" الطبيب الذي يقوم بالأبحاث على أنسجة أحد الأشجار النادرة التي يستخرج منها أمصال وأدوية، ويعتقد أنه سيجد فيها علاج لزوجته "إيزي" المصابة بالسرطان، والتي تقوم بتأليف رواية عن حضارة المايا ونجم الشيبالبا مركز بعث الأرواح، والرواية بالمناسبة تحمل نفس إسم الفيلم، وتحكي فيها عن بحث الفارس "توماس" عن شجرة الحياة في الأراضي المُقفرة. وتستمر "إيزي" في محايلة زوجها ليجلس بجوارها في لحظاتها الأخيرة، وتذكره أن خاتم زفافهما هو الرابطة المقدسة التي ستحفظ حبه لها، ولكنه يتركها ليقضي ساعات طويلة في المعمل باحثًا عن العلاج، ويستمد تشجيعه كلما نظر إلى الخاتم، ويرى أنه اقترب من الكشف، ولكن زوجته تموت دون أن يصل إلى العلاج الذي يساعد على شفائها، ويفقد الخاتم في المعمل، فيظل أثر الخاتم في إصبعه والرواية هما ذكراها الوحيدة.

في المستقبل؛ في مكان فوق النجوم، داخل فقاعة شفافة معلقة في الهواء، نرى "توم" حليق الرأس في زي راهب، يمارس التأمل في حضرة شجرة الحياة الآخذة في الذبول ولا يعرف كيف يوقف موتها البطيئ!!؟، تلك الشجرة التي يأكل ويشرب منها وتساعده على إستمرار حياته التي هي حياتها. 

يلعب المونتاج دوره المميز، في ربط الفترات الزمنية بحرفية دلالية، ليعطي الفيلم معناه، نشاهد ذلك أثناء تقبيل الفارس ليد الملكة الخائفة على عرشها، يتقاطع مع صورة يد الطبيب أثناء ملامسة جسد زوجته المريضة وتقبيلها، ويتقاطع مع صورة تقبيل الراهب للشجرة الذابلة، في مشهد غاية في الرمزية. كذلك عندما توصي "إيزي" زوجها الطبيب بإكمال كتابة الرواية، وحينما يبدأ في قراءتها، يكتشف إنها كانت تقصد نفسها بالملكة، وهو الفارس الباحث عن شجرة الحياة "العلاج"، فيدخل "تومي" في حُلم طويل، ليرى نفسه هذا الفارس، وكلما استيقظ يعود لإكمال جزء من الرواية.

    الثلاث مراحل، هم في الحقيقة مرحلة واحدة طويلة، هي إستمرار الوعي الإنساني الأبدي، في محاولته المستمرة للتصالح مع فكرة الموت وتقبُلها، لمعرفته وثقته أن هناك خلود ينتظره. الزوجة ترى نفسها ستذهب لسديم الأرواح في السماء الذي تنبأت به حضارة المايا " نجم الشيبالبا" وتراقبه يوميًا من شُرفة منزلها بالتلسكوب، والراهب الذي يستمد حياته من شجرة الحياة، ويحفظها من الذبول بحبه لها وتماهيه فيها. والفارس الذي تحول هو نفسه إلى شجرة بجوار شجرة الحياة ليكتسب الخلود بخلودها. لنصل في آخر الفيلم لفكرة أن الموت ليس هو النهاية، ولم يكن هو النهاية، بل بداية لحياة أخرى.

    ولا ننسى أن موسيقا "كلاينت مانسيل" كان لها بصمتها التي لا تُنسى في الفيلم، والتي ستظل تتردد في عقلك مرات متكررة بعد إنتهاءه. والتي تعلو وتهبط في لحظات المعارك، وتجذبنا لعمق المشهد.


الوباء الديني


الوباء الديني

     رجل أعمال، بالتعاون مع شركة أدوية كبرى، يحاولان جني الأموال السريعة بإختبار بعض الفيروسات والأمصال الجديدة على البشر، ولأن قوانين الصحة العامة والرقابة تمنع التجارب المباشرة على البشر، يلجأ رجل الأعمال إلى التعاون مع رجل دين، فيقوم الأخير بإيهام مجموعة من البشر بالذهاب معه إلى أحد الغابات حيث الخلوة الروحية والصلوات المستمرة، بعيدًا عن المجتمع المليء بالخطايا وكل صور التحضر من كهرباء وتليفون وتليفزيون، وفي الغابة، يقوم رجال شركة الأدوية بضخ السموم في دماء الناس ليختبروا مفعول الأمصال ومدى صلاحيتها للإستخدام والتداول والمبيعات، وكلما أصاب الناس أي مكروه وبدأوا في الشكوى والصراخ، يتدخل رجل الدين سريعًا ليوهمهم أن الله يختبر صدق إيمانهم وأن كل مَن يظهر عليه أعراض المرض من الأفضل أن لا يبحث عن علاج، بل يشكر الله الذي يفتقده ويطَّهِر معدنه وجسده ويختبره، فالشخص الصحيح السوي نساه الله أما المريض المُعذب فهو من يُظهر الله مجده فيه. وحينما تصل شركة الأدوية للمصل المطلوب، تأتي الإشارة لرجل الدين، فيقول خطبته العصماء، أن اللحظة قد حانت ووقت التطهير والانتقال للأمجاد السماوية قد أزف، فيقوم الجميع بالانتحار معًا بشرب السِم ويموتوا كلهم، عدا الكاهن الذي كان كوبه مجرد كوب ماء عادي، فيظل على قيد الحياة يتقاسم الثروة مع شركة الأدوية ورجل الأعمال. في نهاية مأساوية عمّا قد يفعله الدين في الناس، بداية من تغييبهم وسرقة حياتهم وسعادتهم، وصولا إلى سرقة أموالهم ومدخراتهم، وفي النهاية كانت كل صلواتهم مجرد أرقام نقدية في رصيد رجل الدين ورجل الأعمال. 

مسلسل Helix يسرد لنا تلك القصة بكل تفاصيلها، ولا يفوت المخرج الفرصة ليذكر لنا في فواصل الحلقات بعض الآيات الكتابية التي تأتي كإسقاط مباشر ودلالي عما يحدث في عالمنا الآن. وقد جاءت خلفية المسلسل مُعبرة عن محتواه، حيث نرى صليب موضوع عليه طبيب التطهير الخاص بالأوبئة، وينزل من الصليب الكثير من السوائل الصفراء
اللزجة...

عن السيادة


عن السيادة


     في الفكر الديني، نجد أنفسنا في مواجهة العديد من التساؤلات الوجودية، هل الملائكة - ككائنات سامية - مخلوقة للتسبيح السرمدي وخدمة أوامر الإله؛ حتى لو أمرهم بإبادة البشر جميعًا، أم قد يكون لهم رغباتهم الخاصة!؟، الملائكة الذين ينزلون لمساندة فريق ضد آخر ونصرة جبهة على أخرى، هل يرون أن ما يفعلونه يتفق مع عدل الإله ورحمته، في السماح لهم، ككائنات خارقة لا يمكن مواجهتها، بالتدخل في حروب بين مخلوقات فانية لا حيلة لها!؟، وماذا لو حاول كل رئيس جند من روؤساء الملائكة اللجوء لإرادته الخاصة وعصيان الإله وتنفيذ ما يريده، هل سيتركه الإله لحرية إرادته، كما فعل الإله حينما ترك لإبليس حرية عصيانه وسقوطه، وهو الذي قد كان من قبل رئيس للملائكة!!؟. أم قد يبيد الإله كل روؤساء ملائكته ويخلق أفضل منهم!؟. 

عن هذه الأسئلة واكثر منها يحاول مسلسل Dominion "السيادة" في موسميه الأول والثاني التعرض لها. وقد جاء التعبير عن فكرة المسلسل في تميزها من خلال الخلفية المطروحة للعرض، ونرى فيها محاكاة رمزية للصورة القديمة للملاك ميخائيل رئيس جند الرب وهو يقهر الشيطان ويمسك في يده سيف القوة وفي يده الأخرى ميزان العدل والحكمة، نرى في خلفية المسلسل نفس رئيس الملائكة ولكن في مواجهة مع البشر، ولكن هذه المرّة لا يمسك في يده أي ميزان للعدل!!؟، وبدلا من الشيطان الذي كان يحترق ناظرًا في الأرض، نرى الإنسان في نظرة تحدي مباشرة يشهر سلاحه في مواجهة رئيس الملائكة.